تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٤٩
و يجوز في قوله «ما لَكُم مِن إِلهٍ غَيرُهُ» ثلاثة أوجه من العربية: الجر علي اللفظ، و الرفع علي الموضع، و قد قرئ بهما، و قد بيناه فيما مضي، و النصب علي الاستثناء و الحال، و لم يقرأ به. و يجوز عند الفراء الفتح علي البناء، لأنه أجاز ما جاءني غيرَك، و منع منه الزجاج. و قال: إنما يجوز ذلک إذا أضيف الي غير متمكن إضافة غير حقيقة، کما قال الشاعر:
لم يمنع الشرب منها غيرَ أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال[٢]
و قوله «أَنِ اعبُدُوا اللّهَ ما لَكُم مِن إِلهٍ غَيرُهُ» قد بيناه فيما مضي.
و قوله «قَد جاءَتكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُم» فالبينة العلامة الّتي تفصل الحق من الباطل من جهة شهادتها به. و البيان هو إظهار المعني للنفس ألذي يفصله من غيره حتي يدركه علي ما يقويه کما يظهر نقيضه، فهذا فرق بين البينة و البيان.
و قوله «هذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُم آيَةً» فالناقة الأنثي من الجمال و الأصل فيها التوطئة و التذليل من قولهم بعير منوق أي موطَّأ مذلل، و تنوق في العمل أي جوَّده كالموطإ المذلل. و الناق الحزُّ بين أليه الإبهام و طرفها، لأنه وطأ به لقبض الكف و بسطها. و انما قال «ناقَةُ اللّهِ» لأنه لم يكن لها مالك سواه تعالي. و نصب «آية» علي الحال. و الآية هي البينة العجيبة بظهور الشهادة و لطف المنزلة. و الآية و العبرة و الدلالة و العلامة نظائر. و الآية الّتي كانت في الناقة خروجها من صخرة ملساء تمخضت بها کما تتمخض المرأة ثم انفلقت عنها علي الصفة الّتي طلبوها، و کان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله و تسقيهم اللبن بدله، و لهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم، في قول أبي الطفيل، و السدي و إبن إسحاق.
و قوله «فَذَرُوها» أي اتركوها «تَأكُل فِي أَرضِ اللّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ» يعني بعقر أو نحر «فَيَأخُذَكُم عَذابٌ أَلِيمٌ» أي ينالكم عذاب مؤلم.
[٢] اللسان (و قل) و أو قال: جمع و قل، و هو ثمار شجر المقل.