تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٣٥
أن يحمل عليه من أن يجعل (غير) صفة ل (إله) علي الموضع. فان قلت ما ينكر أن يکون «إلا اللّه» صفة ل (إله)! قيل: إن (الا) بكونها استثناء أعرف و أكثر من كونها صفة. و إنما جعلت صفة علي التشبيه بغير، فإذا کان الاستثناء أولي حملنا «هَل مِن خالِقٍ غَيرُ اللّهِ»[٢] علي الاستثناء من النفي في المعني، لأن قوله «هَل مِن خالِقٍ غَيرُ اللّهِ» بمنزلة ما من خالق غير اللّه، و لا بد من إضمار الخبر، كأنه قال: ما من خالق للعالم غير اللّه، و يؤكد ذلک قوله «لا إِلهَ إِلَّا اللّهُ»[٣] فهذا استثناء من منفي مثل لا أجد في الدار إلا زيداً.
فأما حمزة و الكسائي فإنهما جعلا (غير) صفة لخالق و أضمرا الخبر، کما تقدم. و الباقون جعلوه استثناء بدلًا من النفي، و هو أولي لما تقدم من الاستشهاد عليه من قوله «وَ ما مِن إِلهٍ إِلَّا اللّهُ»[٤].
أخبر اللّه تعالي و أقسم علي خبره- لأن اللام في قوله «لقد» لام القسم- بأنه أرسل نوحاً (ع) الي قومه و إرساله إياه هو تكليفه القيام بالرسالة و هي منزلة جليلة شريفة يستحق بها الرسول بتقلبه إياها و القيام باعبائها أن يعظم أعلي تعظيم البشر، و أخبر أن نوحاً قال لقومه «يا قَومِ اعبُدُوا اللّهَ» و العبادة هي الخضوع بالقلب في أعلي مراتب الخضوع يعظم به من له أعظم النعم، فلذلك لا يستحق العبادة غير اللّه، و أخبر أنه أمرهم بأن تكون عبادتهم للّه وحده، لأنه لا إله لهم غيره، و لا معبود لهم سواه. و قال لهم «إِنِّي أَخافُ عَلَيكُم عَذابَ يَومٍ عَظِيمٍ» يريد به يوم القيامة، و العذاب هو الألم الجاري علي استمرار، و قد يکون غير عقاب، إلا أن المراد به- هاهنا- العقاب. و العقاب الألم علي ما کان من المعاصي. و لم يجعل خوفه عليهم علي وجه الشك، بل أخبرهم أن هذا العذاب سيحل بهم إن لم يقبلوا
[٢] سورة ٣٥ فاطر آية ٣.
[٣] سورة ٣٧ الصفات آية ٣٥. و سورة ٤٧ محمّد آية ١٩.
[٤] سورة ٣ آل عمران آية ٦٢.