تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٧٤
في هذه الآية حكاية عما قال آدم و حواء (ع) لما عاتبهما اللّه و وبخهما علي ارتكابهما ما نهاهما عنه، و اخبار عن اعترافهما علي أنفسهما بأن «قالا رَبَّنا ظَلَمنا أَنفُسَنا» و معناه بخسناها الثواب بترك المندوب اليه. و الظلم هو النقص.
و علي مذهب من يقول انهما فعلا صغيرة لا بد ان يحمل قوله «ظَلَمنا أَنفُسَنا» علي تنقيص الثواب، لان عندهم ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلک ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلک ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغير تقع مكفرة من غير ان ينقص من ثواب فاعلها شيء، فلا يتصور معني لقوله «ظَلَمنا أَنفُسَنا» و لا يثبت فيهما فائدة، لأنهما لم يستحقا عقابا بلا خلاف.
و صفة ظالم مفارقة لقولنا: ظلمنا، لان الظالم اسم ذم في اكثر التعارف، و ظلم قد يستعمل في غير المستحق للعقاب و الذم، کما ان اسم (مؤمن) اسم مدح لمستحق الثواب، و آمن يؤمن بخلاف ذلک عند القائلين بالوعيد.
و قوله «وَ إِن لَم تَغفِر لَنا» معناه ان لم تستر علينا، لان الغفر هو الستر علي ما بيناه فيما مضي، و علي مذهب من يقول: ان معصيتهم كانت صغيرة وقعت مكفرة لا معني لقوله «وَ إِن لَم تَغفِر لَنا»، لان الغفران كائن لا محالة، و لا يحسن المؤاخذة به.
و قوله «لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ» المعني ان لم تتفضل علينا بنعمك الّتي تتم بها ما فوتناه نفوسنا من الثواب بضروب تفضلك لنكونن من جملة من خسر، و لم يربح. و الإنسان يصح ان يظلم نفسه بأن يدخل عليها ضررا غير مستحق، و لا يدفع عنها ضررا أعظم، و لا يجتلب منفعة توفي عليه. و لا يصح ان يکون معاقبا لنفسه، و يجوز ان يأمر اللّه تعالي المكلف ان يضر بنفسه، و لا يحسن ان يأمره ان يعاقب نفسه، لان امر الحكيم يدل علي الترغيب في الشيء، و لا يجوز أن يرغبه في عقابه، کما لا يجوز ان يرغبه في ذمه و لعنه.