تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣١٢
أحد هذين الوجهين باطل لا محالة، لان ما لا يصح ان يعلم فاسد لا محالة.
امر اللّه تعالي نبيه (ص) ان يقول لهؤلاء الكفار الّذين تقدم وصفهم «هلموا» و معناه هاتوا. و هلم كلمة موضوعة للجماعة بني مع (ها) فصار بمنزلة الصوت نحو (صه) قال الأعشي:
و کان دعا قومه دعوة هلَّم الي أمركم قد صُرِم[١]
و من قال: هلموا، فانه لم يبنهم مع (ها) بل قدره علي الانفصال.
و الاول أفصح، لأنها لغة القرآن، و هي لغة اهل الحجاز. و اهل نجد يقولون:
هلم و هلما و هلموا و هلمي و هلميا و هلمن، قال سيبويه أصله (ها) ضم اليه (لم) فبني فقيل: هلم، و هات فصل و لم يتصل بما يبني معه، فلذلك لا بد ان يقال للجماعة: هاتوا. و (هلم) لفظ يتعدي تارة، و اخري لا يتعدي، فإذا كانت بمعني (هاتوا) فإنها تتعدي مثل قوله «هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ» و إذا كانت بمعني (تعالوا) نحو «هلم إلينا»[٢] فإنها لا تتعدي و نظيره: عليك زيدا يتعد الي واحد، و عليَّ زيدا يتعدي الي اثنين بمعني أولني زيدا، و مثله من الفعل: رجع و رجعته، و لا يجوز في (هلم) الضم و الكسر، کما يجوز في وَرُد: وَرَد. قال الزجاج: لأنها لا تتصرف علي طريقة: فَعَل يَفعَل، مع ما اتصلت بها من هاء.
و معني الآية هاتوا شهداءكم الّذين يشهدون بصحة ما تدعون من ان اللّه حرم هذا ألذي ذكرتموه. و قوله «فَإِن شَهِدُوا فَلا تَشهَد مَعَهُم» فان قيل كيف دعاهم الي الشهادة مع أنهم إذا شهدوا لم تقبل شهادتهم!!؟ قلنا عنه جوابان أحدهما- قال أبو علي: لأنهم لم يشهدوا علي الوجه دعوا ان يُشهِدوا بيِّنة عادلة تقوم بها الحجة.
الثاني- شهداء من غيرهم، و لن يجدوا ذلک، و لو وجدوه ما وجب
[١] ديوانه ٣٤، و مجاز القرآن ١/ ٢٠٨ و تفسير الطبري ١٢/ ١٥٠، و اللسان و التاج (ربع)
[٢] سورة ٣٣ الأحزاب آية ١٨