تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٠٩
اللّه تعالي بذلك في قوله «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم» و معناه مثل هذا التكذيب ألذي کان من هؤلاء- في انه منكر- «كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم» و انما قال كذلك لتقضي الخبر، و لو قال (كذا) لجاز، لأنه قريب بعد الاول، و (كذلك) أحسن، لان ما فيه من تأكيد الاشارة تغني عن الصفة.
و حكي انه قرئ «كذب الّذين» بالتخفيف، فمن خفف أراد ان هؤلاء كاذبون کما كذب الّذين من قبلهم علي اللّه بمثله. و من قرأ بالتشديد، فلأنهم بهذا القول كذبوا رسول اللّه لأنهم قالوا له: ان اللّه أراد منا ذلک و شاءه، و لو أراد غيره لما فعلناه، مكذبين للرسول (ص) کما كذب من تقدم أنبياءهم فيما أتوا به من قبل اللّه.
ثم بيَّن بقوله «قُل هَل عِندَكُم مِن عِلمٍ فَتُخرِجُوهُ لَنا» أن ما قالوه باطل و كذب علي اللّه لأنه لو کان صحيحا لما رده عليهم.
ثم أكد تكذيبهم بقوله «إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ» أي ليس يتبعون إلا ظنا من غير علم «وَ إِن أَنتُم إِلّا تَخرُصُونَ» يعني تكذبون، و الخرص الكذب كقوله «قُتِلَ الخَرّاصُونَ»[١].
و في هذه الآية أدلُّ دلالة علي ان اللّه تعالي لا يشاء المعاصي و الكفر، و تكذيب ظاهر لمن أضاف ذلک الي اللّه مع قيام ادلة العقل علي انه تعالي لا يريد القبيح، لان إرادة القبيح قبيحة، و هو لا يفعل القبيح، و لان هذه صفة نقص، فتعالي اللّه عن ذلک علوا كبيرا.
و قوله «حَتّي ذاقُوا بَأسَنا» معناه حتي ذاقوا عذابنا، و أراد به حلول العذاب بهم فجعل وجدانهم لذلك ذوقا مجازا. و جاز قوله «ما أَشرَكنا وَ لا آباؤُنا» و لم يجز ان يقال: قمنا و زيد، لان العطف علي المضمر المتصل لا يحسن الا بفصل، فلما فصلت (لا) حسن، کما حسن: ما قد قمنا و لا زيد کان كذلك، لان الضمير المتصل يغيَّر له الفعل في (فعلت) فيصير كجزء منه.
[١] سورة ٥١ الذاريات آية ١٠