تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٧٧
قول أكثر المفسرين: منهم إبن جريج و الفراء و الزجاج و الرماني و البلخي و الطبري. و روي عن إبن عباس انه قال: هم رسل الانس الي غيرهم من الجن کما قال تعالي «وَلَّوا إِلي قَومِهِم مُنذِرِينَ»[٢]. و قال الضحاك: ذلک يدل علي انه تعالي أرسل رسلا من الجن. و به قال الطبري و اختاره البلخي أيضا، و هو الأقوي. و قال الجبائي و الحسين بن علي المغربي: المعني «أَ لَم يَأتِكُم» يعني معشر المكلفين و المخلوقين «رُسُلٌ مِنكُم» يعني من المكلفين.
و هذا اخبار و حكاية عما يقال لهم في وقت حضورهم في الآخرة، و ليس بخطاب لهم في دار الدنيا، و هم غير حضور، فيكون قبيحا، بل هو حكاية علي ما قلناه.
و قوله «يَقُصُّونَ عَلَيكُم آياتِي» مثل يتلون عليكم دلائلي و بيناتي «وَ يُنذِرُونَكُم» يعني يخوفونكم «لِقاءَ يَومِكُم هذا» يعني لقاء ما تستحقونه من العقاب في هذا اليوم و حصولكم فيه. ثم أخبر تعالي عنهم انهم يشهدون علي أنفسهم بالاعتراف بذلك و الإقرار بأن الحياة الدنيا غرتهم، و يشهدون أيضا بأنهم كانوا كافرين في دار الدنيا، فلذلك كرر الشهادة.
و معني غرتهم الحياة الدنيا أي غرتهم زينة الدنيا و لذتها و ما يرون من زخرفها و بهجتها.
و استدل بهذه الآية قوم علي ان اللّه لا يجوز أن يعاقب الا بعد ان يرسل الرسل، و ان التكليف لا يصح من دون ذلک، و هذا ينتقض بما قلناه من أول الرسل، و انه صح تكليفهم و ان لم يكن لهم رسل، فالظاهر مخصوص بمن علم اللّه ان الشرع مصلحة له، فان اللّه لا يعاقبهم الا بعد ان يرسل اليهم الرسل و يقيم عليهم الحجة بتعريفهم مصالحهم، فإذا خالفوا بعد ذلک استحقوا العقاب.
[٢] سورة ٤٦ الأحقاف آية ٢٩