تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٤٦
فان قيل كيف يصح علي أصلكم في الموافاة و نفي الإحباط و صف الكفار بأنهم يعلمون الحق و ذلک مما يستحق به الثواب و لا خلاف أن الكافر لا ثواب معه!؟.
قلنا عنه جوابان: أحدهما- أن تكون الآية مخصوصة بمن آمن منهم في المستقبل، فانا نجوز أن يكونوا في الحال عالمين باللّه و بأن القرآن حق ثم يظهرون الإسلام فيما بعد فيتكامل الايمان، لان الايمان لا يحصل دفعة واحدة بل يحصل جزءا فجزءا، لان أوله العلم بحدوث الأجسام، ثم ان لها محدثا، ثم العلم بصفاته، و ما يجوز عليه و ما لا يجوز، ثم العلم بالثواب و العقاب و ما يتبعهما، و ذلک يحصل في أوقات كثيرة و الثاني- أن يكونوا علموه علي وجه لا يستحقون به الثواب لأنهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلک عليهم، بل لغير ذلک فحصل لهم العلم و ان لم يستحقوا به ثوابا.
و يحتمل أن يکون المراد بذلك أنهم يعلمون عند أنفسهم، لأنهم إذا كانوا معتقدين بصحة التوراة و أنها من عند اللّه، و فيها دلالة علي صحة نبوة النبي (ص) و هم يدعون أن اعتقادهم علم، فهم اذاً علي قولهم عالمون بأن القرآن منزل من ربك بالحق.
و يحتمل أن يکون المراد بقوله «الَّذِينَ آتَيناهُمُ الكِتابَ» المؤمنين المسلمين دون أهل الكتاب، و يکون المراد بالكتاب القرآن لأنا قد بينا أن اللّه سماه كتابا بقوله «الر كِتابٌ أُحكِمَت»[١] و بقوله «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتابَ»[٢] فعلي هذا سقط السؤال، لان هذه صفة المؤمنين المستحقين للثواب و قوله «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمتَرِينَ» معناه لا تكونن من الشاكين.
و الامتراء الشك و كذلك المرية و يکون الخطاب للنبي (ص) و المراد به الامة.
و قيل المراد بذلك «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمتَرِينَ» يا محمّد في أنهم يعلمون أن ذلک من ربك بالحق.
[١] سورة ١١ هود آية ١
[٢] سورة ٣ آل عمران آية ٧