تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٤٥
«أَ فَغَيرَ اللّهِ أَبتَغِي حَكَماً» أي أطلب سوي اللّه حاكما، و نصب أ فغير اللّه بفعل مقدر يفسره (أبتغي) تقديره أ أبتغي غير اللّه أبتغي حكما، و الحكم و الحاكم بمعني واحد، الا ان الحكم هو من کان أهلا أن يتحاكم اليه فهو أمدح من الحاكم، و الحاكم جار علي الفعل، و قد يحكم الحاكم بغير الحق، و الحَكم لا يقضي الا بالحق لأنها صفة مدح و تعظيم.
و المعني هل يجوز لاحد ان يعدل عن حكم اللّه رغبة عنه، لأنه لا يرضي به!؟ أو هل يجوز مع حكم اللّه حكم يساويه في حكمه!؟ و قوله «وَ هُوَ الَّذِي» يعني اللّه ألذي «أَنزَلَ إِلَيكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا» و انما مدح الكتاب بأنه مفصل، لان التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعني، و ينفي ايضا التداخل ألذي يوجب نقصان البيان عن المراد.
و انما فصل القرآن بالآيات الّتي تفصل المعاني بعضها من بعض و تخليص الدلائل في کل فن.
و قيل: معني (مفصلا) أي بما يفصل بين الصادق و الكاذب من أمور الدين. و قيل: فصل فيه الحرام من الحلال، و الكفر من الايمان، و الهدي من الضلال- في قول الحسن-.
و قوله «وَ الَّذِينَ آتَيناهُمُ الكِتابَ يَعلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ» لا يجوز ان يکون علي عمومه، لان كثيرا من أهل الكتاب، بل أكثرهم جهال لا يعرفون. و قوله: أهل الكتاب، قد يستعمل تارة بمعني العلم، و بمعني الإقرار أخري، کما يقال للعلماء بالقرآن: أهل القرآن. و يقال لجميع المسلمين أهل القرآن بمعني أنهم مقرون به. و قوله «يَعلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- يعلمون ان کل ما فيه بيان عن الشيء علي ما هو به، فترغيبه، و ترهيبه، و وعده، و وعيده، و قصصه، و أمثاله، و غير ذلک مما فيه كله بهذه الصفة و الثاني- أن معني «بالحق» البرهان ألذي تقدم لهم حتي علموه به.