تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٤٠
أخبر اللّه تعالي بهذه الآية عن هؤلاء الكفار الّذين سألوا الآيات و علم من حالهم أنهم لا يؤمنون و لو فعل بهم ما فعل حتي لو أنزل عليهم الملائكة و كلمهم الموتي بأن يحييهم اللّه حتي يكلموهم، و حشر عليهم کل شيء قبلا، علي المعني ألذي فسرناه من ظهور خرق العادة فيه و المعجزة الباهرة فيه لم يؤمنوا لشدة عنادهم و عتوهم في كفرهم. ثم قال «إِلّا أَن يَشاءَ اللّهُ» و معناه احد أمرين:
أحدهما- قال الحسن: إلا أن يشاء اللّه أن يجبرهم علي الايمان بأن يمنعهم من أضداد الايمان كلها فيقع منهم الايمان.
الثاني- قال أبو علي الجبائي: الا ان يشاء اللّه ان يلجئهم بأن يخلق فيهم العلم الضروري بأنهم ان راموا خلافه منعوا منه کما ان الإنسان ملجأ الي ترك قتل بعض الملوك بمثل هذا العلم. و انما قلنا: ذلک، لان اللّه تعالي قد شاء منهم الايمان علي وجه الاختيار، لأنه أمرهم به و كلفهم إياه، و ذلک لا يتم إلا بأن يشاء منهم الايمان، و لو أراد اللّه من الكفار الكفر للزم أن يكونوا مطيعين إذا كفروا، لان الطاعة هي فعل ما أريد من المكلف. و للزم أيضا أن يصح أن يأمرهم به. و لجاز ان يأمرنا بأن نريد منهم الكفر کما أراد هو تعالي و في الآية دلالة علي ان ارادة اللّه محدثة، لان الاستثناء يدل علي ذلک لأنها لو كانت قديمة لم يجز هذا الاستثناء، کما لا يجوز ان يقول القائل:
لا يدخل زيد الدار الا أن يقدر اللّه أو الا ان يعلم اللّه لحصول هذه الصفات فيما لم يزل.
و قوله «وَ لكِنَّ أَكثَرَهُم يَجهَلُونَ» انما وصف أكثرهم بالجهل مع أن الجهل يعمهم لان المعني يجهلون انه لو أوتوا بكل آية ما آمنوا طوعا. و في الآية دلالة علي انه لو علم اللّه انه لو فعل بهم من الآيات ما اقترحوها لآمنوا أنه کان يفعل ذلک بهم و أنه يجب في حكمته ذلک، لأنه لو لم يجب ذلک لما کان لهذا الاحتجاج معني. و تعليله بأنه انما لم يظهر هذه الآيات لعلمه بأنه لو