تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١١
معني قوله «فالِقُ الإِصباحِ» أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، و ذلک دال علي القدرة العجيبة الّتي لا يقدر عليها غير اللّه، و يحتمل أن يکون معناه خالقه علي ما حكيناه عن الضحاك و ذكره الزجاج، و رفع «فالق» لأنه خبر عن اللّه تعالي بعد خبر كأنه قال «إِنَّ اللّهَ فالِقُ الحَبِّ وَ النَّوي» فالق الإصباح.
و يحتمل أن يکون خبر ابتداء محذوف، فكأنه قال: هو فالق الإصباح.
و الإصباح مصدر أصبحنا إصباحاً، و المراد أصبح کل يوم، فهو في معني الإصباح. و روي عن الحسن أنه قرأ «فالق الإصباح» بفتح الالف و ما قرأ به غيره. و معني «وَ جَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً» أي تسكنون فيه و تتودعون فيه، و هو قول مجاهد و الضحاك و قتادة و إبن عباس و أكثر المفسرين. و روي عن إبن عباس أن معناه، خالق الليل و النهار. و قوله «وَ الشَّمسَ وَ القَمَرَ حُسباناً» نصبهما عطفا علي موضع الليل، لان موضعه النصب بأنه مفعول جاعل.
و اختلفوا في معناه، فقال إبن عباس و السدي و الربيع و قتادة، و مجاهد و الجبائي: إنهما يجريان في أفلاكهما بحساب، تقطع الشمس الفلك في سنة و يقطعه القمر في شهر قدره اللّه تعالي به، فهو قوله «الشَّمسُ وَ القَمَرُ بِحُسبانٍ»[١] و قوله: «وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ»[٢].
و قال قتادة معناه انه جعل الشمس و القمر ضياء. و الاول أجود لان اللّه تعالي ذكر بمثل هذا من أياديه عند خلقه و عظيم سلطانه بفلقه الإصباح لهم و إخراج النبات و الغراس من الحب و النوي، و عقب ذلک بذكر خلق النجوم للاهتداء بها في البر و البحر، و کان وصفه اجراء الشمس و القمر بمنافعهم أشبه، و أنها تجري بحسبان ما يحتاج الخلق اليه في معايشهم و معاملاتهم: أما الشمس فللزرع و الحرث، و اما القمر فللمواعيد و آجال الديون في المعاملات، و فيها منافع لا يعرف تفصيلها الا اللّه تعالي، لأنه قال «فالِقُ الإِصباحِ» ذكر
[١] سورة ٥٥ الرحمان آية ٥.
[٢] سورة ٣٦ يس آية ٤٠ و سورة ٢١ الأنبياء آية ٣٣