تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٩
فإذا قيل له: أ تفعله! بعد ما قد ظهر من أمره و صار في محل من عقد عليه بإقراره.
فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر، و بين لا تشربوا الخمر، قلنا: لأنه إذا قال: انتهوا دل ذلک علي أنه مريد لأمر ينافي شرب الخمر.
و صيغة النهي إنما تدل علي كراهة الشرب، لأنه قد ينصرف عن الشرب الي أخذ أشياء مباحة، و ليس كذلك المأمور به، لأنه لا ينصرف عنه إلا في محذور.
و المنهي عنه قد ينصرف عنه الي غير مفروض.
قوله تعالي: [سورة المائدة (٥): آية ٩٢]
وَ أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احذَرُوا فَإِن تَوَلَّيتُم فَاعلَمُوا أَنَّما عَلي رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ (٩٢)
آية بلا خلاف.
لما أمر اللّه تعالي باجتناب الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام أمر في هذه الآية بطاعته في ذلک و غيره من أوامر اللّه تعالي. و الطاعة هي امتثال الأمر، و الانتهاء عن المنهي عنه، و لذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين بأن يوافق أمرهما و إرادتهما.
و قوله «وَ احذَرُوا» أمر منه تعالي بالحذر، و هو امتناع القادر من الشيء لما فيه من الضرر. و الخوف هو توقع الضرر ألذي لا يؤمن كونه.
و الجزع مفاجأة الضرر ألذي يزعج النفس مثله. و الفزع و الرعب مثل الجزع.
و قوله «فَإِن تَوَلَّيتُم فَاعلَمُوا أَنَّما عَلي رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ» معناه الوعيد و التهديد كأنه قال: فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما أدي رسولنا من البلاغ المبين، يعني الأداء الظاهر الواضح، فوضع كلام موضع كلام للإيجاز و لو کان علي صيغته من غير هذا التقدير لم يصح، لأن عليهم أن يعلموا ذلک تولوا أو لم يتولوا. و «ما» في قوله: «أنما» كافة