تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٠
تكليف البهائم و الطيور و هي غير عاقلة. و التكليف لا يصح الا لعاقل، علي ان الصبيان أعقل من البهائم و مع هذا فليسوا مكلفين، فكيف يصح تكليف البهائم!؟ و اما قوله: «وَ إِن مِن أُمَّةٍ إِلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ»[١] فانه مخصوص بالمكلفين العقلاء من البشر و الجن، و الملائكة بدلالة أن الأطفال أمم و ليس فيها نذيره و استدل ابو القاسم البلخي بهذه الآية علي ان العوض دائم بان قال:
بيَّن اللّه تعالي انه يحشر الحيوان كلها و يعوضها، فلو کان العوض منقطعا لكان إذا أماتها استحقت اعواضا أخر علي الموت و ذلک يتسلسل، فدل علي انه دائم و هذا ليس بشيء، لأنه يجوز ان يميت اللّه الحيوان علي وجه لا يدخل عليهم الألم، فلا يستحقون عوضا ثانيا، فالاولي ان يقول: ان دام دام تفضلا منه تعالي.
و قوله «وَ لا طائِرٍ» فانه جرَّ، عطف علي دابة و تقديره و لا من طائر، و کان يجوز ان يقرأ بالرفع حملا علي المعني، کما تقول: ما جاءني من رجل و لا امرأة، و تقديره ما جاءني رجل و لا امرأة و مثله قوله «وَ لا أَصغَرَ مِن ذلِكَ وَ لا أَكبَرَ»[٢] في موضع بالنصب و في موضع آخر بالرفع علي ما قلناه.
قوله تعالي: [سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]
وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكمٌ فِي الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللّهُ يُضلِلهُ وَ مَن يَشَأ يَجعَلهُ عَلي صِراطٍ مُستَقِيمٍ (٣٩)
آية بلا خلاف.
الوقف التام عند قوله «فِي الظُّلُماتِ». و قوله «صُمٌّ وَ بُكمٌ فِي الظُّلُماتِ» يحتمل أمرين:
أحدهما- ان يراد ان هؤلاء الكفار الّذين كذبوا بآيات اللّه صم و بكم في الظلمات في الآخرة علي الحقيقة عقوبة لهم علي كفرهم، لأنه ذكرهم عند ذكر الحشر.
[١] سورة ٣٥ فاطر آية ٢٤
[٢] سورة ١٠ يونس آية ٦١ و سورة ٣٤ سبأ آية ٣