تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢٣
آية بلا خلاف خاطب اللّه تعالي بهذه الآية نبيه (ص) فقال له «إِن كانَ كَبُرَ عَلَيكَ» و عظم عندك «اعراضهم» أي اعراض هؤلاء الكفار عما أتيتهم به من القرآن و المعجزات و امتناعهم من اتباعك و التصديق لك و كنت حزينا لذلك «فَإِنِ استَطَعتَ» و قدرت أو تهيأ لك ان تبتغي نفقا ان تتخذ في جوف الإرض مسكنا و هو النفق «في الإرض» إذا کان له منفذ «أَو سُلَّماً فِي السَّماءِ» أو ان تصعد الي السماء بسلم «فَتَأتِيَهُم بِآيَةٍ» يعني بآية تلجئهم الي الايمان و تجمعهم عليه و علي ترك الكفر فافعل ذلک. و حذف فافعل لدلالة الكلام عليه، کما تقول: ان رأيت ان تقوم و معناه فقم، و ان أراد غير ذلک لم يجز ان يسكت الا بعد ان يأتي بالجواب، لأنه ان أراد ان أردت ان تقوم تصب خيرا فلا بد من الجواب، و لم يرد بذلك آية يؤمنون عندها مختارين، لأنه تعالي فعل بهم الآيات الّتي تزاح علتهم بها و يتمكنون معها من فعل الايمان لأنه لو علم تعالي أنه إذا فعل بهم آية من الآيات يؤمنون عندها مختارين وجب ان يفعلها بهم. و بيَّن انه فعل بهم جميع ما لا ينافي التكليف و هم لا يؤمنون کما قال «وَ لَو أَنَّنا نَزَّلنا إِلَيهِمُ المَلائِكَةَ»[١] الآية، و کما قال «وَ لَئِن أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبلَتَكَ»[٢] و انما لم يفعل ما يلجئهم الي الايمان، لان ذلک ينافي التكليف و يسقط استحقاق الثواب ألذي هو الغرض بالتكليف، و انما أراد اللّه تعالي ان يبين لنبيه (ص) انه لا يستطيع هذا و لا يقدر عليه، فلا ينبغي ان يلزم نفسه الغم و الجزع لكفرهم و اعراضهم عن الايمان و التصديق به، و جعل ذلک عزاء لنبيه (ص) و تسلية له ثم اخبر انه لو شاء ان يجمعهم علي الايمان علي وجه الإلجاء لكان علي ذلک قادرا لكنه ينافي ذلک الغرض بالتكليف، و جري ذلک مجري قوله
[١] سورة ٦ الانعام آية ١١١
[٢] سورة ٢ البقرة آية ١٤٥