تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٧
بين اللّه تعالي أن هؤلاء الكفار الّذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع القرآن، و قبوله و التصديق بنبوة نبيه، و يبعدون عنه، لان معني (ينأون) يبعدون الي حيث لا يسمعونه خوفاً من أن يسبق الي قلوبهم الايمان به و العلم بصحته.
و قوله «وَ إِن يُهلِكُونَ إِلّا أَنفُسَهُم» معناه ليس يهلكون إلا أنفسهم «وَ ما يَشعُرُونَ» انهم ما يهلكون بنهيهم عن قبوله، و بعدهم عنه «الا أنفسهم» لأنهم لا يعلمون إهلاكهم إياها بذلك و إهلاكهم إياها هو ما يستحقون به الصيرورة الي العذاب الابدي في النار. و هل هناك هلاك أعظم من ذلک!؟. و النأي:
البعد «ينأون» أي يتباعدون عنه، تقول نأيت عن الشيء أنأي نأيا، إذا بعدت عنه. و النؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف لان لا يدخله الماء من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها علي شفير الحفيرة، فيمنع التراب الماء أن يدخل من خارج، و هو مأخوذ من النأي، أي تباعد الماء عن البيت.
و في الآية دلالة علي بطلان قول من قال معرفة اللّه ضرورة، و أن من لا يعرف اللّه و لا يعرف نبيه لا حجة عليه، لان اللّه بين أن هؤلاء الكفار قد أهلكوا أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن و تباعدهم عنه و انهم لا يشعرون و لا يعلمون بإهلاكهم أنفسهم بذلك، فلو کان من لا يعرف اللّه و لا نبيه و لا دينه لا حجة عليه، لكانوا هؤلاء معذورين و لم يكونوا هالكين و ذلک خلاف ما نطق به القرآن.
قوله تعالي: [سورة الأنعام (٦): آية ٢٧]
وَ لَو تَري إِذ وُقِفُوا عَلَي النّارِ فَقالُوا يا لَيتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ (٢٧)
آية بلا خلاف.
قرأ حمزة و يعقوب و حفص «و لا نكذب ... و تكون» بالنصب فيهما،