تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٥
و كانوا يريدون ذلک بأن يقولوا هذا أساطير الأولين، يعنون إنه من كلام الأولين و حوادثهم. و في معني هذه الآية قوله تعالي في بني إسرائيل: «وَ إِذا قَرَأتَ القُرآنَ جَعَلنا بَينَكَ وَ بَينَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجاباً مَستُوراً. وَ جَعَلنا عَلي قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِم وَقراً»[١] فمعني الآيتين واحد و سبب نزولهما واحد، و انما أنزلت هذه الآيات لئلا يمتنع النبي من قراءة القرآن خوفا من أذي الكفار فيفوت المؤمنين سماعه فيغتمون لذلك و تفوتهم مصلحته بل حثه اللّه علي قراءته و ضمن له المنع من أذاهم.
و قوله: «وَ إِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤمِنُوا بِها» كالتعليل لجعله قلوبهم في أكنة، و الوقر في آذانهم، فقال: إنما فعلت هذا لعلمي بأنهم لا يؤمنون و أنه ليس في سماعهم ذلک الا تطرُّق الأذي به عليك منهم، و قولهم «إِن هذا إِلّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ».
و تحتمل الآية وجهاً آخر و هو: أنه يعاقب الكفار الّذين لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم من نحو الضيق ألذي ذكر أنه يخلقه فيها، و يجعل هذه العقوبات دلالة لمن شاهد قلوبهم و استماعهم من الملائكة، و شاهد منها هذه العقوبات، علي أنهم لا يؤمنون من غير أن يکون ذلک حائلا بينهم و بين الايمان. ثم أخبر أنها بمنزلة الاكنة علي قلوبهم عن فقه القرآن و بمنزلة الوقر في الآذان علي وجه التمثيل له بذلك تجوزاً و استعارة. و وجه الشبه بينهما أن من كانت في نفسه هذه العقوبات معلوم أنه لا يؤمن کما أن من علي قلبه أكنة لا يؤمن، و کما سمي الكفر عماً، سماه باسم العمي علي وجه التشبيه.
و يحتمل أيضا أن يکون الكفر ألذي في قلوبهم من جحد توحيد اللّه و جحد نبوة نبيه، سماه كنا تشبيهاً و مجازاً، و إعراضهم عن تفهم القرآن و الإصغاء اليه علي وجه الاستعارة وقراً توسعا، لان مع الكفر و الاعراض لا يحصل الايمان و الفهم کما أن مع الكنَّ و الوقر لا يحصلان، و نسب هذا
[١] سورة ١٧ الاسراء آية ٤٥- ٤٦