سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ٢٤٠ - سعيد بن جبير والحجاج في الميزان
مقاييس الفضائل المنزهة والحقائق الصريحة... وإنه ليعترف بالرّذيلة إذا استطاع أن يُلَوِّثَ الفضيلة التي يمتاز بها عليه ذوو الفضائل البيّنة...)([٧٢٩]).
ويستدل العقاد على ذلك بقوله: (وإذا لم يرجح من أخبار تلك الفترة إلاّ الخبر الراجح عن لعن عليّ على المنابر بأمرٍ من معاوية لكان فيه الكافية لإثبات ما عداه مما يتم به الترجيح بين كفتي الميزان)([٧٣٠]).
والحجاج سار على هذا النهج؛ فإذا ما وجد من يقتدي بعلي عليه السلام أو يأتم بالأئمة من بعده مثل سعيد بن جبير وائتمامه بعلي بن الحسين بن أبي طالب عليهم السلام فإنه يشعر بحقارته أمام مثل هذا الإنسان الملتزم بمقاييس أهل البيت عليهم السلام، فقوله لسعيد: (أكافر أنت أو مؤمن...) هو محاولة لإدخال الخلل بقيم سعيد بن جبير بالتخريف عسى أن يحوّله في محاورته إلى انتهازي منافق مثله أمام الحاضرين؛ وكان يتمنّى أن يجيب بالكفر فيرضي بهذه الكلمةِ الحجاجُ ليعفوَ عنه كما فعل مع صاحبيه كما مَرَّ.
فالحجاج في محاورته سعيداً (أكافر أنت أو مؤمن) لم يقصد المعنى الحقيقي الإسلامي للكلمات وهو يعرف سعيداً ومنزلته الإسلامية حق المعرفة وإلاّ ما كان شتم (والي الحجاز خالد بن عبد الله القسري) الذي قبض له على سعيد وبعث به إليه - كما مَرَّ في المحاورة - فالحجّاج يعرف الإيمان والكفر ويعرف حدودهما، ولكنه اختار أن يكون صنيعة لقوم (اتخذوا الدين وسيلة لقمع حركات المسلمين الذين طالبوا (الحكام) الأمويين بتطبيق مبادئ الدين على تصرفاتهم أي أن الأمويين كانوا يتظاهرون بالتدين فيدعون المسلمين - في خطبهم وخطب ولاتهم
[٧٢٩] معاوية بن أبي سفيان لعباس محمود العقاد: ص١١.
[٧٣٠] معاوية بن أبي سفيان للعقاد: ص١٢-١٦.