سعيد بن جبير: شيخ التابعين وإمام القراء - البياتي، سلام محمد علي - الصفحة ١٥٥ - الفتوى عند سعيد
وبحجة (عدم شيوع رواية منه عن أئمة زمانه([٥٢٨]) - وهو ما عللناه في باب الحديث - فلا يخلو هذا الحكم من عدم تمحص الدقة التي نتوخاها من عملية الجرح والتعديل؛ وكان عليه أن يستدل ولو بمسألة واحدة يستشهد بها على أن سعيداً اجتهد وخالف أهل البيت عليهم السلام مع أن الخوانساري نفسه كان يعلم أن أهلَ البيت عليهم السلام كانوا ينصحون أصحابهم وأولياءَهم بالحذر حتى مما يصل منسوباً إليهم وبالتثبّت من كل ما يرد عنهم (بعرضه على كتاب الله فإن خالف كتاب الله فليضربوا به عرض الجدار) وهذه النظرية كان لها شأنٌ عظيم في كشف الكثير من الروايات التي يروجها وُعّاظ السلاطين وينسبونها إلى أهل البيت عليهم السلام وهي تعارض كتاب الله لغرض دنيء هو إبعاد الناس عنهم غيظاً وحسداً.
وحتى لو افترضنا صحة رواية أن سعيداً كتب في الفتيا بعد أن عمي ابن عباس وغضب ابن عباس، وتذرّعنا بدليل أن سعيداً سبق وأن تولى قضاء الكوفة وهو أمر يتطلب الكتابة في الفتيا - أوْ لا يتطلب!!! - وأنه سبق وأن كان كتاباً لعبد الله بن عتبه بن مسعود حين كان على قضاء الكوفة([٥٢٩])، فأين هي مخالفة كتاب الله وأين هي مخالفة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
ومن كل هذا يخرج الدارس للفتيا عن سعيد بن جبير بحقيقتين بارزتين لتتميز بهما فتياه.
فهو إما أن يسند قضاءَه وقوله في حكمه برواية عن شيوخه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإما أن يقرن حكمه وفتياه بآية من كتاب الله.
[٥٢٨] روضات الجنات للخوانساري: ص٣٠٩.
[٥٢٩] البيان والتبيين للجاحظ: ج٣، ص٦٣، طبع القاهرة لسنة ١٣٦٨هـ، ١٩٤٩م.