شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ٨٥ - التوحيد
كلّ متحيّز سواء كان تحيّزه بالذات ـ كالجسم ـ أو بالتبعية ـ كالعرض([٢٢٩]) ـ مفتقر إلى حيّزه بالبديهة, والحيّز والمكان يقالان على معنى واحد, وهو عند المتكلّمين: فراغ موهوم يشغله الجسم([٢٣٠]). وعند الحكماء: هو السطح الباطن من الجسم الحاوي, المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي([٢٣١]).
وكلّ عَرَض مفتقر إلى محلّه, والعرَض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى محلّ يقوّمه, كالسواد بالنسبة إلى الجسم([٢٣٢]), وذلك المحلّ يسمّى موضوعاً, وإذا افتقر المتحيّز والعَرَض إلى الحيّز والمحل, والحيّز والمحلّ غيرهما, يكونان ممكنين بالضرورة, فلا يكون الواجب بمتحيّز ـ أي بجسم ـ ولا عرض؛ لاستلزام التحيّز والعرضية, الإمكان المنافي للوجوب؛ ولأنـّه لو كان في مكان أو جهة لزم قِدَم المكان أو الجهة, واللازم باطل؛ إذ لا قديم سوى الله تعالى ـ إتفاقاً ـ وسنبرهن عليه. وكلّ ما يشار إليه بالحس([٢٣٣]) بأنّه هنا أو هناك, فهو إمّا متحيّز أو عرض؛ لأنَّ الإشارة: إمتداد موهوم
[٢٢٩] أنظر : كشف المراد للعلّامة الحلّي:١١٨, المقصد الثاني في الجواهر والأعراض, المسألة الأولى في قسمة الممكنات. النافع يوم الحشر للمقداد السيوري:٥٠ـ٥١, الفصل الثالث الصفات السلبية, الصفة الثانية.
[٢٣٠] اُنظر: الرسائل للشريف المرتضى:٢/٢٦٨, رسالة الحدود والحقائق. النافع يوم الحشر للمقداد السيوري:٣٢.
[٢٣١] كشف المراد للعلّامة الحلّي:١٣٢, المقصد الثاني, الفصل الأول, المسألة التاسعة.
[٢٣٢] اُنظر: كتاب التعريفات للجرجاني:٢٢٥.
[٢٣٣] قال ملّا خضر الحبلرودي: وإنّما قيّد الإشارة المنفيّة بالحسّية؛ لأنَّ الإشارة العقلية ـ التي هي تمييز العقل, وتعيينه بوجه ما ـ غير ممتنعة عليه تعالى, فإنّ العقل يحكم بأنّه تعالى ذات موصوف بأكمل الصفات, ليس كغيره من الذوات, فإن قلتَ: قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: mمن أشار إليه فقد حدّه, ومن حدّه فقد عدّهn( أ ). يدلُّ على نفي الإشارة مطلقاً, وقد صرّح به شارحه كمال الدين البحراني, وقال: الرابع عشر: كونه غير مشار إليه, وأراد مطلق الإشارة, وبيَّن ذلك بقياسٍ هو قوله: mومن أشار إليه ـ إلى قوله ـ فقد عدّهn. بيان الأولى: إنّ الإشارة إمّا حسّية أو عقلية. أمّا الحسّية: فإنّها تستلزم الوضع والكون في المحل والحيّز, وما كان كذلك فلابدّ وأن يكون له حدّ. وأمّا الإشارة العقلية: فلأنَّ المشير إلى حقيقة شيء, زاعماً أنّه وجده وتصوّره, فقد أوجب له حدّاً يقف ذهنه عنده, ويميّزه به عن غيره.وبيان الثانية: إنّ مَن حدّه بالإشارة الحسّية فقد جعله مركّباً من أُمور معدودة؛ إذ الواحد في الوضع ليس مجرّد وحدة فقط, وإلّا لم تتعلّق الإشارة الحسّية به, بل لابدّ معها من أمور أُخر, مشخّصة مخصّصة له, فكان في نفسه معدوداً, لكثرة من تلك الجهة. ومن حدّه بالإشارة العقلية, فلابدَّ أن يحكم بتركيبه؛ لـمّا علمت أنّ كلّ محدود مركّب في المعنى, وكان ـ أيضاً ـ ذا كثرة معدودة, فإذاً الإشارة المطلقة ممتنعة في حقّه تعالى, مستلزمة للجهل به. قلتُ: لا منافاة بين نفي الإشارة إلى الحقيقة, والتصوّر بالكُنه, وبين إثبات التمييز والتعيين بوجه ما, فتأمل(ب). (حاشية ح).
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
( أ ) نهج البلاغة ١: ١٥/خطبة رقم ١.
(ب) شرح نهج البلاغة لكمال الدين ميثم البحراني:١/١٦٣, خطبة رقم ١.