شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ١٠٩ - التوحيد
تأثير لكن لا على وفق الإرادة كالطبيعة, لكن هذا التعريف لا يستقيم على رأي الأشاعرة؛ لانتقاضه بالقدرة الحادثة, إذ لا تأثير لها عندهم ـ كما سيجيء ـ وأثر القادر مسبوق بالعدم, إتفاقاً من المتكلّمين وغيرهم, فيكون حادثاً.
والحكماء إنـَّما أسندوا القديم إلى الله تعالى؛ لاعتقادهم أنّه تعالى موجَب([٣٤٥]),
ولو اعتقدوا كونه مختاراً, لقالوا بحدوث العالم, والمتكلّمون لو سلّموا كونه
موجباً, لم يمنعوا إسناد القديم إليه تعالى, هكذا ذكره الإمام الرازي([٣٤٦]), وهو يدلّ على أنَّ
المتكلّمين بنوا مسألة الحدوث على الاختيار, وليس كذلك, بل الأمر بالعكس, فإنّهم
استدلّوا ـ أولاً ـ على كون العالم حادثاً من غير تعرّض لفاعله أصلاً, ثمّ بنوا
على حدوثه أنَّ موجده يجب أن يكون مختاراً, إذ لو كان موجباً لكان أثره قديماً,
وهو
[٣٤٥] قال المقداد: اشتهر عن الحكماء عدم القول باختيار الصانع لقولهم بقِدَم العالم, المستلزم لإيجاب الفاعل, والمتأخرون نقلوا خلاف هذا المشهور, وقالوا: إنّ المحققين من الحكماء, يقولون باختيار الصانع, بل إنـَّما محلّ النزاع بينهم, أنَّ فعل المختار هل يجوز تأخّره أم لا؟ فالحكماء قالوا: لا يجب, وفسّروا المختار, بأنّه الفاعل بقدرة وإرادة, فإذا انضمّت الداعية إلى القدرة, يجب أن يكون الفعل معها بالزمان؛ لأنّ الفاعل مع الداعي يصير علّة تامة, والعلّة التامة لا يتأخر معلولها عنها, وقدرة الله وإرادته قديمتان, فوجب عندهم قِدَم العالم. وأمّا المتكلّمون, فإنَّ أكثرهم جوّزوا تخلّف الأثر عن مجموع القدرة والداعي, بل أوجبوه, لإحالتهم الداعي( أ ) إلى موجود, فلذلك أوجبوا حدوث العالم. الأنوار الجلالية:٧٥ـ٧٦, الفصل الأول, التوحيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
( أ ) أي جعلوه محالاً.
[٣٤٦] اُنظر: شرح المواقف للجرجاني:٣/١٨٢ـ١٨٣, الموقف الثاني, المرصد الثالث, المقصد الخامس في أبحاث القديم.