شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ٢٢١ - النبوة والإمامة
ومع ذلك الإشتغال بتحصيل تلك المعرفة يوجب إتعاب النفس, وتعطّل الصناعات الضرورية, والشغل عن مصالح المعاش, ومفاسدهم بحسب الدارَين, مـمّا لا تستقلّ عقولهم بإدراكه ـ كما ذكرنا ـ وتأييدهم فيما يستقلّ بإدراكه, كالعلم([٨٠٩]) باحتياج العالم إلى صانع حكيم واحد, لينقطع عذر المكلَّف بالكلّية, لطف واجب على الله تعالى, أي مناسب لحكمته.
واعلم أنَّ لحكماء الإسلام طريقاً آخر في بيان حُسن البعثة، وبيانه: إنَّ الله تعالى خلق الإنسان بحيث لا يستقلّ وحده بأمر معاشه؛ لأنّه محتاج إلى غذاء ولباس ومسكن وسلاح, كلّها صناعي، ليس كسائر الحيوانات, التي يكون ما يحتاج إليه من الغذاء والمسكن طبيعياً، والشخص الواحد لا يمكنه القيام بإصلاح تلك الأمور, إلّا في مدّة لا يمكن أن يعيش تلك المدّة، وإن أمكن فهو متعسّر جدّاً, لكنّها متيسّرة لجماعة يتعاضدون ويتشاركون في تحصيلها، بحيث يزرع ذاك لهذا, أو يخبز هذا لذاك, ويخيط واحد لآخر، وعلى هذا قياس سائر الأمور، فيتمّ أمر معاش كلّ بني نوعه باجتماع ومعارضة ومعاوضة، فإذن الإنسان محتاج الى إجتماع يتيسّر بسببه المعارضة والمعاوضة، ولذلك قيل: الإنسان مدنيّ بالطبع, أي محتاج بالطبع([٨١٠]) إلى الإجتماع المسمّى بالتمدّن، والتمّدن ـ عندهم ـ: عبارة عن هذا الإجتماع، واجتماع الناس على المعارضة والمعاوضة لا ينتظم إلّا إذا كان بينهم معاملة وعدل؛ لأنَّ كلّ واحد يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على مُزاحِمِه, ويختار جميع الخيرات لنفسه، فإنَّ الخير مطلوب لذاته، وحصول المطالب
[٨٠٩] قوله: (كالعلم) سقط من mشn.
[٨١٠] قوله: (بالطبع) سقط من mشn.