شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ١٨٧ - التوحيد
لاضمحلال القوى الحسّية هناك, وصيرورتها مسخَّرة للقوى العقلية، فلا يمكنها المنازعة لها في حكمها.
وثانيها: إنّ الفائض على النفس في هذه المرتبة قد يكون صوراً كثيرة استعدّت بصفائها عن الكدورات, وصقالتها عن أوساخ التعلّقات, لأن يفاض عليها تلك الصور، كمرآة صقلت وحوذي بها ما فيه صور كثيرة، فإنّه يتراءى فيها ما تتسع هي له من تلك الصور، والفائض عليها عقيب النظر هي العلوم التي تناسب تلك المبادىء التي رتّبت لتؤدّي إلى مجهول، كمرآة صقلت شيء يسير منها فلا يرتسم فيها إلّا شيء قليل من الأشياء المحاذية لها، إلّا أنَّ ذلك الفتح([٦٨٤]) ـ أعني فتح باب خزانة الرحمة على قلب السالك, وكشف الحقائق الغيبية على باطنه ـ قباء لم يُخَطْ على قَدّ([٦٨٥]) كلّ ذي قَدْ، ونتائج([٦٨٦]) لم يعلم مقدّماتها([٦٨٧]) جَدّ كلّ ذي جَدْ، بل ذلك
[٦٨٤] قال ملّا خضر الحبلرودي: إلّا أنَّ ذلك المذكور: من عدم قصر الهمّة, وعدم إشغال العقل بمعرفة الكثرة, وعدم الوقوف عند الزخارف التي هي مزلّة القدم, وتضعيف الحواسّ المدركة للأمور الفانية, وحبس النفس الأمّارة التي تشير إلى التخيّلات الواهية بالرياضة, وتوجيه الهمّة بالكلّية إلى عالم القدس, وقصر الأمنية على نيل محلّ الروح والأنس, والإشتغال بالسؤال والخضوع والإبتهال من حضرة ذي الجود والإفضال. قباء... إلى آخره. (حاشية ح).
[٦٨٥] القد: القامة. الصحاح للجوهري:٢/٥٢٢, قدد.
[٦٨٦] قال المقداد: أي واردات وعلوم فيضية. الأنوار الجلالية:١١٩, الفصل الأول, التوحيد.
[٦٨٧] قال المقداد: أي تلك المجاهدات, وإزالة تلك العلائق وتنحية تلك العوائق,كلّ ذي جِدّ واجتهاد, بل ذلك فضل ومنحة من الجناب القدسي يفيضه على من استعدّ لذلك الفيض, بحكم: من استعدّ استحقّ. لكن ذلك الإستعداد لا يحصل في الأغلب إلّا مع مجاهدات عظيمة, يتعارض فيها إلهامات إلهية, وخواطر شيطانيّة, إتـّباع الاُولى خطر, والخلاص من الثانية عسر, وينجو Pالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنىO الأنبياء ٢١: ١٠١, فلا جرم كان تحصيل العلم بهذا الطريق أعزّ من الكبريت الأحمر, وحيث الحال كذلك, فنسأل الله أن يجعلنا من السالكين لطريقه ـ أي الطريق الذي أمر به أنبياؤه وأولياؤه.
الأنوار الجلالية:١١٩, الفصل الأول, التوحيد.