شرح الفصول النصيرية - الأسترآبادي، عبدالوهاب بن علي - الصفحة ٥٤ - بسم الله الرحمن الرحيم ()
قال الثالث: يا ربّ لِم أمتّني صغيراً، وما أبقيتني إلى أن أكبر, فأؤمن بك وأطيعك، فأدخل الجنَّة؟ فقال: يقول الرب: إنّي كنت أعلم منكَ، إنـَّك لو كبرت لعصيت فدخلت النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيراً. فقال الأشعري: فإن قال الثاني: يارب لِمَ لم تمتني صغيراً, لئلّا أعصي، فلا أدخل النار، فماذا يقول الرب؟ فبهت الجبائي, وترك الأشعري مذهبه، وقال: الكلُّ واقع بمشيئة الله وإرادته، و لا مجال فيه لاختيار العبد. واشتغل هو ومن تبعه بإبطال رأي المعتزلة([٦٩]), وإثبات ماورد به ظاهر السنّة، ومضى عليه جماعة من السلف، فسمّوا أنفسهم أهل السنّة والجماعة([٧٠]).
ومِن مذهبهم: إنّه لا خالق سواه تعالى، وكلّ فعل يقع فهو بخلقه وإيجاده، ولا اختيار للعبد، وإنّه تعالى متّصف بالصفات القديمة، مثل العلم والقدرة وغير ذلك، وإنّه يصحّ رؤيته تعالى في الآخرة، ولا يجب عليه ثواب المطيع وعقاب العاصي، بل إن
[٦٩] اُنظر: وفيات الاعيان لابن خلكان:٢/٣٥٨. شرح المواقف للجرجاني:٨/٢١٨ـ٢١٩, المرصد السادس, المقصد السادس.
[٧٠] في حاشية mحn: وفي طريق الخاصة, إنّهم إنما سُمّوا أهل السنّة والجماعة؛ لأنَّ معاوية لـمّا سبَّ علياً عليه السلام على المنابر سنيناً متوالية, ومضى عليه جماعة من خلفاء بني أمية, إنقطع ذلك بعدما وصلت النوبة إلى بني العباس, فكان أتباع بني أُمية ومعتقدوا أمرهم, فيما بينهم, يعملون بسنّة معاوية لعنه الله, وإذا أرادوا تعريف أحد من إخوانهم إلى شياطينهم بطريق الرمز, قالوا: فلان من أهل السنة والجماعة. أي من أهل سُنّة معاوية في سبّ عليّ عليه السلام, وما مضى عليه جماعة خلفاء بني أُميّة لعنهم الله, ولـمّا طال الزمان, واندرس الصدر الأول من هؤلاء الأعادي, وشنّع عليهم محبّوا أهل البيت عليهم السلام, ونسبوهم إلى النصب, اخترع متأخروهم ـ لبيان التسمية ـ وجهاً, وهو أنّهم أخذوا ما ورد على ظاهر السُنّة, ومضى عليه جماعة من الصحابة, وإلّا فأيّ سنّة وردت في أنّ أفعال العباد بخلق الله وإيجاده ؟! وأيّ الصحابة ذهب إلى أنّ العبد مجبور في فعله ؟! فانظر المقال, واعتبر الحال. من الشارح رحمه الله.