صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٢٨ - خطاب
كلّها الطبيعة غير أنها محسوسة لنا. وذلك الشيء لأنه محسوس لنا ونحن طبيعيون وفي عالم الطبيعة الآن يُشبعنا هذا المحسوس. المعنويات غير موجودة الآن، والمحسوسات موجودة.
الانتفاع المعنويّ التوحيدي من العلوم
الإسلام يردّ كل المحسوسات والعالم إلى منزلة التوحيد، وتعليماته ليست طبيعيّة، ولا رياضيّة، ففيه كلّ شيء، وتعليماته ليست طبية، كلّ هذه فيه، لكنها قيّدت بالتوحيد. رجوع كلّ الطبيعة وكل الظلال الظلمانية لذاك المقام النوراني الذي هو آخر مقامات الألوهية. بناء على هذا يجب أن يكون المعنى الذي نريده للعلوم- نحن نمجِّده ونثني عليه، لِكل العلوم الطبيعية، لكل العلوم المادّية هو الخصيصة التي يريدُها الإسلام منها، وهي خصيصة لا يعرفها الغرب، وإذا عرف منها شيئاً، فهو أدنى دلالاتها- والمعنى الذي نريده لعلوم جامعاتنا ولعلوم المدارس القديمة ليس هذا المعنى الكافي على السطح الآن، ومفكّرونا يأخذون بهذا المعنى الطافي على السطح، وعملهم جليل جدّاً، لكنه ليس ما يريده الإسلام.
وذاك المعنى الذي يريده الإسلام سواء من العلوم الطبيعية وغير الطبيعية هو أن تكون مقيّدة بالعلوم الإلهية وعائدة إلى التوحيد، فلكل علم بعد إلهي، أي أنّ الإنسان حين يرى الطبيعة يرى الله فيها، وحين يرى المادّة يرى الله فيها، وحين يرى كل الموجودات يرى الله فيها. وذاك الذي جاء الإسلام من أجله هو إعادة جميع الموجودات الطبيعية إلى الألوهية وجميع العلوم الطبيعية إلى العلوم الإلاهي. وهذا هو المعنى المطلوب من الجامعات، لا الطبّ نفسُه مع أنّ الطب يجب أن يكون، والعلوم الطبيعة يجب أن تكون، والعلاج البدني لا بدّ منه، لكنّ المهمّ هو مركز الثقل، إلا وهو التوحيد. فكل هذه يجب أن ترجع إلى جهة الألوهية. وما يجب أن نتخيل أنّ العلوم في الإسلام مثل العلوم التي لدى عامّة الناس. أو عامة الأنظمة.
بناء المجتمع التوحيدي من العالم المادّي
الإسلام في كلّ معانيه هو إرادة المقصد الأعلى، ما لهُ من نظر إلى هذه الموجودات الطبيعية، إلا أن يكون هذا النظر إلى تلك المعنوية وتلك المنزلة العالية. فإذا نظر إلى الطبيعة رآها صورة للإلاهية، وموجةً من عالم الغيب. وإذا نظر إلى الإنسان رآهُ موجوداً يصنع منه موجوداً إلاهياً. والتربيات الإسلامية تربيات إلاهية مثلما أنّ الحكومة الإسلامية حكومة إلاهية. والفرق بين حكومة الإسلام والحكومات الأخرى أنّ هذه الحكومات تُريد بعضها أن تغلب بعضاً، وتتسلّط عدّة منها على عدّة أخرى. وليس الإسلام هكذا، ولا هذه نظرته. الإسلام لا يُريد بفتح البلدان فتحها، وإنّما يريد به جذب الناس إلى عالم آخر، وأن يُربِّي الناس تربية إنسانية، لا أن يستغلّهم مثل هذه الأنظمة التي شهدتموها وتشهدونها سواء في الشرق والغرب، فكلها لا نظر لها سوى التسلّط والاستغلال المادّي بينما لا أثر للمادّة في نظر الإسلام أًصلًا. وكلّ من يقرأ القرآن يرى فيه كلّ ما يتعلّق بالمادّة، لكن لا بشكلها المادّي،