بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٨
(وهو النفط الذي يطلى به الإبل)، ثم التفت عمر إلى عبادة بن الصامت الصحابي الجليل وكان جالسا إلى جانبه فقال: ما ترى في هذا؟ فقال: أنا لا أرى أن النار تحلل الحرام. فانزجر منه عمر ونسبه إلى الحمق وأفتى بالحلية، فلما أباح لهم ذلك سكر بعض المسلمين، فأقام الحد عليه، ونهاهم عن التجاوز في الشرب إلى حد الإسكار. ويبدو من هذه القصة أن عمر أراد تحليل الشرب من المسكر بالمقدار الذي لا يسكر إذا طبخ على النار ثم أسكر، ولذا قال له عبادة: أنا لا أرى أن النار تحلل الحرام. وقد بدأ النزاع منذ ذلك الوقت حول هذه النقطة، وامتد في عصور الصحابة والتابعين والفقهاء فهناك من رأى رأي عمر، وهناك من اتفق مع عبادة في موقفه غير أن الطرفين معا كانا متسالمين على أن الطبخ بالنار بنفسه ليس من موجبات الحرمة، وإنما الكلام بينهم في أنه هل يوجب تعطيل الغليان الحاصل بعد الطبخ عن إيجاد الحرمة أو لا؟ وكلمات الفقه السني مشحونة بتحرير النزاع على هذا الوجه وبالاختلاف بين المحللين في مقدار الطبخ الموحب لسلخ الغليان عن السببية للحرمة، فقد ذهب البعض: إلى أن الطبخ الموجب لذلك هو الطبخ المذهب للنصف وذهب آخرون إلى أنه الطبخ المذهب للثلثين، وبعض ثالث قال: بكفاية مطلق الطبخ، وأما أتباع عبادة بن الصامت فقالوا: إن الطبخ إلى ذهاب الثلثين يوجب التحليل لعدم الإسكار خارجا حينئذ. فإذا عرفنا أن الاستفهام المركوز في الذهن العام من أيام عمر إلى أيام أصحاب المذاهب هو أن الطبخ بالنار هل يحلل ما كان حراما لولا الطبخ أو لا - لا أنه هل يكون محرما بنفسه أو لا؟ - كان من الطبيعي أن يوجه إلى الإمام هذا الاستفهام، وأن يتصدى عليه السلام لإبداء رأيه بهذا الشأن فقال ما قال من الروايات بشأن الطلا التي حاصلها: أنه إذا زاد الطلا