بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٢
مركوزة في الجملة في أذهانهم. وافتراض أنهم سألوا عنها وأفتاهم المعصوم عليه السلام بالنجاسة، ومع ذلك لم يصل إلينا كلامه، ينفيه أن شيوع الابتلاء بها يستلزم تظافر نقل الحكم بالنجاسة لو كان، وتأكيد الأئمة عليهم السلام والرواة على ترسيخه في ذهن المتشرعة من أصحابهم. فلا يبقى إلا أن يكون ذلك باعتبار موافقة المعصومين (ع) مع ما هو مقتضى الطبع العقلائي والأولى من عدم استقذار ما يتخلف في الذبائح بعد خروج المتعارف الكاشف عن طهارته شرعا. وكون الطهارة على وفق الطبع الأولي مع عدم وجود ردع عنها هو الذي يفسر لنا عدم وقوع السؤال من الرواة عن طهارته كثيرا، وعدم توافر الدواعي على نقلها كذلك. ثم إن المدرك على الطهارة لو كان هذا الوجه فلا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، باعتباره دليلا لبيا، فلا يمكن الرجوع إليه كلما شك في طهارة دم متخلف، خلافا للحال على الوجه الأول. وهذا من الفوارق بين الوجهين، وإن كان يغلب على الظن دخول تمام مراتب التخلف في الإجماع، فلا يبقى فرق بين الوجهين على مستوى التطبيق. الثالث: التمسك بما دل على حلية الحيوان بعد التذكية، إما بتقريب: أنه شامل بإطلاقه لكل جزء من أجراء الحيوان بعد التذكية ومنه الدم المتخلف، ولازم حليته طهارته. وإما بتقريب: أن اللحوم المذكاة لا تنفك عند استعمالها عادة عن دماء متخلفة فيها، إذ تفكيك اللحم وغسله إلى درجة تخرج منه كل الدماء المتخلفة أمر على خلاف العادة العرفية، فبدلالة الاقتضاء هذه تثبت حلية الدم في اللحم أيضا. ويرد على التقريب الأول: أن دليل الحلية ينفي الحرمة بملاك الميتة بعد حصول التذكية، فلا يمكن التمسك به لنفي الحرمة الثابتة بملاك الدمية أو البولية أو غيرهما كما هو المطلوب في المقام.