بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٤٢
النجاسة العينية عن الكتابي، وإن رجعت إلى خصوص مستحلي الميتة فلا يستفاد من كلامه حينئذ إلا االتوقف عن الفتوى بالنجاسة. النقطة الثانية: إننا إذا رجعنا إلى عصر أقدم من عصور الفقه الإمامي أي عصر الرواة، نجد أن قضية نجاسة الكفار لم تكن أمرا مركوزا في أذهان الرواة إلى زمان الغيبة، ولهذا كثر السؤال عن ذلك بين حين وحين وفرض في بعض تلك الأسئلة أنهم يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة كما في رواية الحميري الذي هو من فقهاء الإمامية في عصر الغيبة الصغرى إذ كتب إلى صاحب الزمان (ع): " عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة وينسجون لنا ثيابا فهل تجوز الصلاة فيها قبل أن تغسل؟ إلخ ". وحمل جميع الأسئلة على أنها بملاك علمي بحت بعيد جدا. كما أن حمل فرض الحميري لنجاسات عرضية في حياة الكافر، على أنه يقصد إبراز قوة احتمال تنجس الثياب التي يحوكها بلا شاهد. بل إن افتراض السائل لعدم الغسل من الجنابة في الكافر واضح الدلالة على أنه لم يكن قد ارتكزت في ذهنه نجاسة الكافر العينية، وإلا فأي أثر للغسل بالنسبة إليه. وحيث إن الإجماع إنما يكون حجة باعتبار كشفه عن التقي الارتكازي من عصر الرواة، فيكون ما ذكرناه نقطة ضعف في كاشفية هذا الإجماع. النقطة الثالثة: إن ابتلاء المسلمين بالتعايش مع أصناف من الكفار في المدينة وغيرها على عهد النبي (ص) كان على نطاق واسع، واختلاطهم مع المشركين كان شديدا جدا خصوصا بعد صلح الحديبية، ووجود العلائق الرحمية وغيرها بينهم، فلو كانت نجاستهم مقررة في عصر النبوة لانعكس ذلك وانتشر وأصبح من الواضحات، ولسمعت من النبي (ص) توضيحات كثيرة بهذا الشأن، كما هو الحال في كل مسألة تدخل في محل الابتلاء إلى هذه الدرجة. ولا توجد في مثل هذه المسألة دواعي الإخفاء، وأي داع