موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٩٩ - النجف فيما كتبه توماس لايل
فان الذي يقوم بدور يزيد لابد من أن تكون له أعصاب من حديد لأن الجمهور يصبح مخيفا بتهديداته. و يأخذ بعد هذا بوصف جميع ما يحدث كما هو معروف لدى الجميع في هذه البلاد.
و في إحدى المناسبات دعا كليدار النجف المستر (لايل) ليصطحبه الى الصحن فيشهد معه دخول موكب الساده و خدام الحضرة اليه، و كان ذلك في العاشرة و النصف من مساء اليوم التاسع من محرم الحرام. فجلسوا ينتظرون في الساحة الخالية من وجود أي نوع من أنواع الضياء في كل مكان، عدا النجوم التي كان يبدو بعضها متلألئا في كبد السماء الصافية الخالية من القمر. و بعد الصمت الذي ظل مخيما على الجميع مدة من الزمن دخل الموكب نتخلله أربعة مشاعل ضخمة، تحيط بكل منها جماعة من السادة المعروفين لديه. و قد كانوا من جميع الطبقات و الأعمار على حد قوله، من الأولاد الصغار الى الرجال الملتحين و المسنين الذين أحنت ظهورهم السنين. كما كانوا عراة الى المحزم مع العمائم الخضر التي كانت تجلل رؤوسهم. ثم نهض فجأة صبي لا يتجاوز عمره الثلاث عشرة سنة و ارتقى المنبر فأخذ يقرأ قصة الحسين الشهيد بلهجة فصيحة أعجبت المستر (لايل) و لذلك نجده يقول انه كان يعتقد على الدوام ان العربية لغة موسيقية ترتاح لها الآذان، و ان هذا الصبي لا بد من أنه كان قد اختير لجمال صوته و إجادته في القراءة. و كان الرائي يلحظ في النور المختلط بدخان المشاعل مئات الأذرع ترتفع الى السماء و تهبط أكفها لادمة الصدور العارية بحماسة ظاهرة حزنا على الحسين و توجعا للامام الشهيد، بينما ترتفع أسوات النسوة المولولات من فوق الجمع المحتشد. و يبدو ان المستر (لايل) قد تحسس بهذا المنظر، لأنه يعلق عليه بقوله: «و لم يكن هناك أي نوع من الوحشية أو الهمجية، و لم ينعدم الضبط بين الناس، فشعرت و ما زلت أشعر بأني توصلت في تلك اللحظة الى جميع ما هو حسن و ممتلىء بالحيوية في الاسلام، و أيقنت بأن الورع الكامن في أولئك