الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٧٩ - ١٢٣٣- شعر في هجو الزنادقة
و ذلك عند ما رأى من تطويل محمّد بن الجهم و عجز العتبي و سوء فهم القاسم بن سيّار، فقال له المأمون: أسألك عن حرفين فقط. خبّرني: هل ندم مسيء قطّ على إساءته، أو نكون نحن لم نندم على شيء كان منّا قط؟!قال: بل ندم كثير من المسيئين على إساءتهم. قال: فخبّرني عن النّدم على الإساءة، إساءة أو إحسان؟قال:
إحسان. قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟قال: الذي ندم هو الذي أساء. قال:
فأري صاحب الخير هو صاحب الشّرّ، و قد بطل قولكم: إنّ الذي ينظر نظر الوعيد غير الذي ينظر نظر الرحمة. قال: فإني أزعم أنّ الذي أساء غير الذي ندم. قال: فندم على شيء كان منه أو على شيء كان من غيره؟فقطعه بمسألته[١]، و لم يتب و لم يرجع، حتى مات، و أصلاه اللّه نار جهنّم.
١٢٣٣-[شعر في هجو الزنادقة]
و قد ذكر حمّاد عجرد ناسا في هجائه لبشار[٢]، فقال: [من الكامل]
لو كنت زنديقا، عمار، حبوتني # أو كنت أعبد غير ربّ محمّد
أو كنت عندك أو تراك عرفتني # كالنّضر أو ألفيت كابن المقعد
أو كابن حمّاد ربيئة دينكم # جبل و ما جبل الغويّ بمرشد[٣]
لكنّني وحّدت ربّي مخلصا # فجفوتني بغضا لكلّ موحّد
و حبوت من زعم السّماء تكوّنت، # و الأرض خالقها لها لم يمهد
و النّسم مثل الزّرع آن حصاده # منه الحصيد و منه ما لم يحصد[٤]
و حمّاد هذا أشهر بالزّندقة من عمارة بن حربية، الذي هجاه بهذه الأبيات.
و أمّا قوله:
و حبوت من زعم السّماء تكوّنت
فليس يقول أحد: إنّ الفلك بما فيه من التّدبير، تكوّن بنفسه و من نفسه! [١]قطعه بمسألته: غلبه بالحجة.
[٢]كذا؟و نص الشعر يوضح أن المهجو اسمه عمارة، و ليس بشارا.
[٣]الربيئة: الطليعة و عين القوم.
[٤]النّسم: جمع نسمة، و تعني الإنسان. و قد سكنت السين للضرورة.