الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٤٧ - ١١٩٩- الصّمّ من الحيوان
لعمري لقد أمهلت في نهي خالد # عن الشّام إمّا يعصينّك خالد[١]
و أمهلت في إخوانه فكأنّما # تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد
و قال الذي زعم أنّها تسمع: فقد قال اللّه عزّ و جلّ: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمىََ أَبْصََارَهُمْ [٢]و لو عنى أنّ عماهم كعمى العميان، و صممهم كصمم الصّمّان، لما قال: أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا [٣]و إنّما ذلك كقوله: إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىََ وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ إِذََا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* [٤] و كيف تسمع المدبر عنك!و لذلك يقال: «إنّ الحبّ يعمي و يصمّ» [٥]. و قد قال الهذليّ: [من الطويل]
تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد
و الشارد النافر عنك لا يوصف بالفهم. و لو قال: تسمع بالنّهي، و سكت-كان أبلغ فيما يريد. و هو كما قال اللّه تعالى: وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ إِذََا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* [٤]. قال الرّاجز[٦]: [من الرجز]
ردي ردي ورد قطاة صمّا # كدريّة أعجبها برد الما[٧]
أي لأنها لا تسمع صوتا يثنيها و يردّها.
و أنشد قول الشاعر[٨]: [من الطويل]
دعوت خليدا دعوة فكأنما # دعوت به ابن الطّود أو هو أسرع
و الطّود: الجبل. و ابنه: الحجر الذي يتدهده[٩]منه، كقوله[١٠]: [من الطويل]
كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
[١]في ديوان الهذليين «أمهلت: أي نهيته في مهلة قبل أن يأزف أمره، أي جعلت له مهلة و لم أجد بنفسه، و كان نهاه أن يهاجر، و قوله: إما يعصينك خالد، أي: عصاك خالد» .
[٢]٢٣/محمد: ٤٧.
[٣]٢٤/محمد: ٤٧.
[٤]٨٠/النمل: ٢٧.
[٥]هذا القول من الأمثال في مجمع الأمثال ١/٧٨، ١٩٦، و جمهرة الأمثال ١/٣٥٦ و المستقصى ٢/٥٦، و فصل المقال ٣٢٠، و أمثال ابن سلام ٢٢٤، و الأمثال لمجهول ٥٧.
[٦]الرجز بلا نسبة في اللسان و التاج (صمم) ، و الوساطة ٤٠٢.
[٧]الكدرية: ضرب من القطا قصار الأذناب، و القطا: ثلاثة أضرب، كدري و جوني و غطاط. انظر اللسان (كدر) .
[٨]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (طود) ، و أساس البلاغة (بني، طود) و التهذيب ١٤/٤، و المخصص ١٣/٢٠٢.
[٩]يتدهده: يتدحرج.
[١٠]صدر البيت (مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا) و هو لامرئ القيس من معلقته في ديوانه ١٩، و اللسان