الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢٨ - ١٠٤٩- حمى الأهواز
طباعهم و شمائلهم، و لا بدّ للهاشميّ، قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان أو بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه و شمائله طبائع يبين بها من جميع قريش و جميع العرب. فلقد كادت البلدة أن تنقل ذلك فتبدّله، و لقد تخيّفته و أدخلت الضّيم عليه، و بيّنت أثرها فيه فما ظنّك بصنيعها في سائر الأجناس[١]؟! و لفساد عقولهم، و لؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، و الضّياع الفاشية، يحبّون من البنين و البنات ما يحبّه أوساط أهل الأمصار على الثّروة و اليسار، و إن طال ذلك. و المال منبهة كما تعلمون.
و قد يكتسب الرّجل، من غيرهم، المويل[٢]اليسير، فلا يرضى لولده حتّى يفرض له المؤدّبين، و لا يرضى لنسائه مثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. و ليس في الأرض صناعة مذكورة، و لا أدب شريف؛ و لا مذهب محمود، لهم في شيء منه نصيب و إن خسّ[٣]. و لم أر بها و جنة حمراء لصبيّ و لا صبيّة، و لا دما ظاهرا و لا قريبا من ذلك. و هي قتّالة للغرباء.
و على أنّ حمّاها خاصّة ليست للغريب بأسرع منها إلى القريب. و وباؤها و حمّاها، في وقت انكشاف الوباء و نزوع الحمّى عن جميع البلدان.
و كلّ محموم في الأرض فإنّ حمّاه لا تنزع عنه، و لا تفارقه و في بدنه منها بقيّة، فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة، إلى أن يعود إلى الخلط، و أن يجمع في جوفه الفساد[٤].
و ليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث، كما تعاود أصحاب الحدث؛ لأنّهم ليسوا يؤتون من قبل النّهم[٥]، و من قبل الخلط و الإكثار، و إنّما يؤتون من عين البلدة.
و كذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطّاعن في منازلها، المطلّ عليها؛ و الجرّارات[٦]في بيوتها و مقابرها و منابرها. و لو كان في العالم شيء هو شرّ من [١]الخبر في عيون الأخبار ١/٢١٩-٢٢٠، و ثمار القلوب (٧٩٢) ، و لطائف المعارف ١٧٥.
[٢]المويل: تصغير المال.
[٣]بعدها في معجم البلدان ١/٢٨٦: الأهواز: «أو دقّ أو جلّ» .
[٤]في معجم البلدان: «فإذا نزعت فقد وجد في نفسه منها البراءة، إلا أن تعود لما يجتمع في بطنه من الأخلاط الرديئة» .
[٥]في معجم البلدان: «من قبل التّخم و الإكثار من الأكل و إنما يؤتون من عين البلدة» .
[٦]الجرارات: العقارب.