الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٤٥ - ١٠٩٠- صمم النعام و الأفعى
مدامن جوعات كأنّ عروقه # مسارب حيّات تسرّبن سمسما[١]
١٠٨٩-[أعجوبة جلد الحية]
[و ليس في الأرض قشر و لا ورقة][٢]، و لا ثوب، و لا جناح، و لا ستر عنكبوت، إلا و قشر الحيّة أحسن منه و أرقّ، و أخفّ و أنعم، و أعجب صنعة و تركيبا.
و لذلك وصف كثيّر قميص ملك، فشبّهه بسلخ الحيّة، حيث يقول[٣]: [من الطويل]
إذا ما أفاد المال أودى بفضله # حقوق، فكره العاذلات يوافقه
يجرّر سربالا عليه كأنّه # سبء لهزلى لم تقطّع شرانقه[٤]
و السّبيء: السّلخ و الجلد. قال الشاعر[٥]: [من الطويل]
و قد نصل الأظفار و انسبأ الجلد
١٠٩٠-[صمم النعام و الأفعى]
و تزعم العرب أنّ النّعام و الأفعى صمّ لا تسمع، و كذلك هما من بين جميع الخلق. و سنذكر من ذلك في هذا الموضع طرفا، و نؤخر الباقي إلى الموضع الذي نذكر فيه جملة القول في النّعام.
و قد ابتلينا بضربين من الناس، و دعواهما كبيرة، أحدهما يبلغ من حبه للغرائب أن يجعل سمعه هدفا لتوليد الكذابين، و قلبه قرارا لغرائب الزّور. و لكلفه بالغريب، و شغفه بالطّرف، لا يقف على التّصحيح و التمييز، فهو يدخل الغثّ في السمين، و الممكن في الممتنع، و يتعلّق بأدنى سبب ثمّ يدفع عنه كلّ الدّفع.
و الصّنف الآخر، و هو أنّ بعضهم يرى أنّ ذلك لا يكون منه عند من يسمعه يتكلم إلا من خاف التقزّز من الكذب.
فزعم ناس أنّ الدّليل على أنّ الأفاعي صمّ، قول الشاعر: [من الرجز]
أنعت نضناضا من الحيّات # أصمّ لا يسمع للرّقاة[٦]
[١]مدامن جوعات: مدمن جوع.
[٢]الزيادة من ثمار القلوب (٦٣٠) ٣٤٠.
[٣]البيتان لكثير عزة في ديوانه ٣٠٨، و المعاني الكبير ٦٧٣، و للراعي النميري في ديوانه ٣٠٨.
[٤]الهزلى: الحيات. (القاموس: هزل) .
[٥]الشطر بلا نسبة في اللسان و التاج (سبأ) .
[٦]النضناض: حية لا تستقر في مكان، أو إذا نهشت قتلت من ساعتها، أو التي أخرجت لسانها تحركه. (القاموس: نضض) . الرقاة: جمع راق.