الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٦٩ - ١٢٢٧- أقوى درجات التشمم
جمعا عظيما!. قال: فو اللّه ما ألجموا و أسرجوا حتى رأوا ساطع الغبار، و لا تلبّسوا[١] و تسلّحوا حتّى رأوا الطليعة[٢]. فما التأموا حتى استوى أصحاب قحطبة على ظهور خيولهم. و لو لا نظرة خالد بن برمك و فراسته، لقد كان ذلك الجيش اصطلم[٣].
١٢٢٦-[قصة في قوة الشمّ]
و كان إبراهيم بن السّنديّ يحدّثنا من صدق حسّ أبيه في الشّمّ، بشيء ما يحكى مثله إلاّ عن السّباع و الذّرّ و النّعام. و زعم أنّ أباه قال ذات يوم: أجد ريح بول فأرة!ثمّ تشمّم و أجال أنفه في المجلس، فقال: هو في تلك الزّاوية!فنظروا فإذا على طرف البساط من البلل بقدر الدّرهم، أو أوسع شيئا، فقضوا أنّه بول فأرة.
قال: و شهدته مرّة و أشراطه[٤]قيام على رأسه في السّماطين[٥]، فقال: أجد ريح جورب عفن منتن!فتشمّمنا بأجمعنا، فلم نجد شيئا، ثمّ تشمّم و قال: انزعوا خفّ ذاك. فنزعوا خفّه، فكلّما مدّ النازع له شيئا بدا من لفافته. فما زال النّتن يكثف و يزداد، حتى خلع خفّه و نزعه من رجله، فظهر من نتن لفافته ما عرف به صدق حسّه. ثمّ قال: انزعوا الآن أخفافكم بأجمعكم، فلا بدّ من ألاّ يكون في جميع اللّفائف منتن غير لفافته، أو تكون لفافته أنتنها؛ فنزعوا، فلم يجدوا في جميعها لفافة منتنة غيرها.
و أنشدوا[٦]: [من الطويل]
غزا ابن عمير غزوة تركت لنا # ثناء كنتن الجورب المتخرّق
١٢٢٧-[أقوى درجات التشمم]
و ليس الذي يحكى من صدق الحسّ في الشّم-عن بعض النّاس، و عن النّعام و السّباع، و الفأر و الذّرّ، و ضروب من الحشرات-من شكل ما نطق به القرآن العظيم، [١]تلبسوا: لبسوا ثياب الحرب.
[٢]طليعة الجيش: أولهم.
[٣]اصطلم الجيش: استؤصل و أبيد.
[٤]الأشراط: الحرس.
[٥]السماطين: مثنى سماط، و هو الصف من الناس.
[٦]البيت بلا نسبة في ثمار القلوب ٤٨٦ (٨٦٧) ، و المستقصى ١/٣٨٢، و الوساطة ٤٠٠، و تقدم في ١/١٥٧. ـ