الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٦٣ - ١١١٣- عود إلى القول في الحيات
١١١٣-[عود إلى القول في الحيات]
ثمّ رجع بنا القول إلى ما في الحيّات من العلم و العبرة، و الفائدة و الحكمة؛ و لذلك قال أبو ذرّ الغفاريّ: «لقد تركنا رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، و ما يمرّ بنا طائر إلا و عندنا من شأنه علم» . و هذا القول صحيح عن أبي ذر، و لم يخصّ أبو ذرّ خشاش الطّير من بغاثها و أحرارها، و لا ما يدخل في بابة الهمج. و قد أريناك من تحقيق قوله طرفا. و لعلك إن جمعت نظرك إلى نظرنا، أن تستتمّ هذا الباب، فقد قال الشاعر[١]: [من الطويل]
خليليّ ليس الرأي في رأي واحد # أشيرا عليّ اليوم ما تريان
و قال الأحنف: «ما من الناس أحد إلاّ و قد تعلّمت منه شيئا، حتّى من الأمة الورهاء و العبد الأوره» .
و الحيّات مختلفات الجهات جدّا، و هي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الضّرر و السمّ، و في الصّغر و العظم، و في التعرّض للنّاس، و في الهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلاّ أن يكون الناس قد آذوها مرّة. و أمّا الأسود فإنّه يحقد و يطالب، و يكمن في المتاع حتى يدرك بطائلته. و له زمان يقتل فيه كلّ شيء نهشه.
و أمّا الأفعى فليس ذلك عندها، و لكنها تظهر في الصّيف مع أوّل الليل، إذا سكن وهج الرّمل و ظاهر الأرض؛ فتأتي قارعة الطّريق حتى تستدير و تطحن كأنّها رحى، ثمّ تلصق بدنها بالأرض و تشخص رأسها؛ لئلاّ يدركها السّبات، معترضة؛ لئلاّ يطأها إنسان أو دابّة فتنهشه. كأنّها تريد ألاّ تنهش إلاّ بأن يتعرّض لها، و هي قد تعرّضت لنهشه باعتراضها في الطّريق و تناومها عليه!و هي من الحيّات التي ترصد و توصف بذلك. قال معقل بن خويلد[٢]: [من الطويل]
أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي # رءوس الأفاعي في مراصدها العرم
يريد: الأفاعي في مراصدها. و كلّ منقّطة فهي عرماء، من شاة أو غير ذلك.
و قال آخر: [من الرجز]
و كم طوت من حنش و راصد # للسّفر في أعلى البيات قاصد
[١]البيت لعطارد بن قران الحنظلي في الحماسة البصرية ١/١٠٧، و لطهمان بن عمرو الدارمي في معجم البلدان ٢/٤٦٣ (دمخ) ، و بلا نسبة في محاضرات الراغب ١/١٢ (١/٢٩) .
[٢]البيت لمعقل الهذلي في شرح أشعار الهذليين ٣٨٣، و اللسان (رصد، بغض، عرم) ، و التاج (بغض، عرم) ، و بلا نسبة في التهذيب ٢/٣٩١، و المقاييس ٤/٢٩٣، و المخصص ٧/١٩٤، ٨/١١١.