الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٥٠ - ١٠٩٤- قول الشعراء و المتكلمين في رقى الحيات
و الرّقية الأخرى بما يعرف من التعويذ. قال أبو عبيدة: سمعت أعرابيّا يقول:
قد جاءكم أحدكم يسترقيكم فارقوه. قال: فعوّذوه ببعض العوائذ.
و الوجه الآخر مشتقّ من هذا و محمول عليه، كالرّجل يقول: ما زال فلان يرقي فلانا حتّى لان و أجاب.
١٠٩٤-[قول الشعراء و المتكلمين في رقى الحيات]
و قد قالت الشعراء في الجاهليّة و الإسلام في رقى الحيات، و كانوا يؤمنون بذلك و يصدقون به، و سنخبر بأقاويل المتكلمين في ذلك، و بالله التوفيق.
و منهم من زعم أنّ إخراج الحيّة من جحرها إلى الرّاقي، إنما كان للعزيمة و الإقسام عليها، و لأنّها إذا فهمت ذلك أجابت و لم تمتنع.
و كان أميّة بن أبي الصّلت، لا يعرف قولهم في أنّ العمّار هم الذين يجيبون العزائم بإخراج الحيّات من بيوتها، و في ذلك يقول[١]: [من البسيط]
و الحيّة الذّكر الرّقشاء أخرجها # من جحرها أمنات اللّه و القسم
إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت # ذات الإله بدا في مشيها رزم[٢]
من خلفها حمّة لو لا الذي سمعت # قد كان ثبتها في جحرها الحمم[٣]
ناب حديد و كفّ غير وادعة # و الخلق مختلف في القول و الشّيم[٤]
إذا دعين بأسماء أجبن لها # لنافث يعتديه اللّه و الكلم[٥]
لو لا مخافة ربّ كان عذّبها # عرجاء تظلع، في أنيابها عسم[٦]
و قد بلته فذاقت بعض مصدقه # فليس في سمعها، من رهبة صمم[٧]
فكيف يأمنها أم كيف تألفه # و ليس بينهما قربى، و لا رحم!
[١]ديوان أمية ٤٦١-٤٦٢.
[٢]في ديوانه: (الرزم: عدم القدرة على النهوض هزالا أو إعياء، و هذا إشارة إلى زحف الحية في سيرها) .
[٣]في ديوانه: (الحمة، بكسر الحاء: الموت. و الجمع: حمم) .
[٤]في ديوانه: (الحديد: القاطع. كف: أراد كف الحية على التشبيه، و أراد به ما لديها من استعداد للشر دائم) .
[٥]في ديوانه: (النافث: أراد به الحاوي) .
[٦]في ديوانه: (تظلع: تعرج، أي تزحف و تتلوى، العشم: اليبس) .
[٧]في ديوانه: (بلاه: اختبره. المصدق: الجدّ و الصلابة) .