الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٨ - ١٠٢٧- صبر الحية على فقد الطّعم
ثمّ يقطع ذنبها فينبت. ثمّ تعيش في الماء، إن صارت في الماء، بعد أن كانت برّيّة، و تعيش في البرّ بعد أن طال مكثها في الماء و صارت مائية.
قال: و إنّما أتتها هذه القوّة، و اشتدّت فقر ظهرها هذه الشّدّة؛ لكثرة أضلاعها، و ذلك أنّ لها من الأضلاع عدد أيّام الشّهر. و هي مع ذلك أطول الحيوان عمرا.
١٠٢٦-[موت الحية]
و يزعمون أنّ الحيّة لا تموت حتف أنفها، و إنّما تموت بعرض يعرض لها. و مع ذلك فإنه ليس في الحيوان شيء هو أصبر على جوع من حيّة؛ لأنّها إن كانت شابّة فدخلت في حائط صخر، فتتبّعوا موضع مدخلها بوتد أو بحجر، ثمّ هدموا هذا الحائط، وجدوها هناك منطوية و هي حيّة. فالشّابة تذكر بالصّبر عند هذه العلّة. فإن هرمت صغرت في بدنها، و أقنعها النّسيم، و لم تشته الطعم. و قد قال الشاعر: -و هو جاهليّ[١]-: [من الرجز]
فابعث له من بعض أعراض اللّمم # لميمة من حنش أعمى أصم
قد عاش حتى هو لا يمشي بدم # فكلّما أقصد منه الجوع شم
و هذا القول لهذا المعنى. و في هذا الوجه يقول الشاعر[٢]: [من الرجز]
داهية قد صغرت من الكبر # صلّ صفا ما ينطوي من القصر
طويلة الإطراق من غير خفر # كمطرق قد ذهبت به الفكر[٣]
جاء بها الطوفان أيّام زخر
١٠٢٧-[صبر الحية على فقد الطّعم]
و من أعاجيبها أنها و إن كانت موصوفة بالشّره و النّهم، و سرعة الابتلاع، فلها في الصّبر في أيّام الشّتاء ما ليس للزّهيد. ثمّ هي بعد ممّا يصير بها الحال إلى أن تستغني عن الطّعم.
[١]الرجز بلا نسبة في البرصان ٢٣٣، و السمط ٤٩٠، و اللسان (حنش) ، و التهذيب ٤/١٨٦.
[٢]الرجز للنابغة في ديوان المعاني ٢/١٤٥، و الحماسة الشجرية ٢٧٣-٢٧٤، و بلا نسبة في الخزانة ٢/٤٥٧، و المخصص ٨/١٠٩، ١٦، ١٠٦، ١٨٥، و المنصف ٣/١٦، و أساس البلاغة (حرو) ، و ربيع الأبرار ٥/٤٧٥.
[٣]الإطراق: إرخاء العينين. (القاموس: طرق) .