الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩٥ - ١٠٠٠- أثر البيئة
٩٩٩-[القول في المسخ]
و قد قال النّاس في المسخ بأقاويل مختلفة: فمنهم من زعم أنّ المسخ لا يتناسل و لا يبقى إلاّ بقدر ما يكون موعظة و عبرة، فقطعوا على ذلك الشهادة. و منهم من زعم أنّه يبقى و يتناسل، حتى جعل الضّبّ و الجرّيّ، و الأرانب، و الكلاب و غير ذلك، من أولاد تلك الأمم التي مسخت في هذه الصّور. و كذلك قولهم في الحيّات.
و قالوا في الوزغ: إن أباها، لمّا صنع في نار إبراهيم و بيت المقدس ما صنع، أصمّه اللّه و أبرصه، فقيل: «سامّ أبرص» . فهذا الذي نرى هو من ولده؛ حتّى صار في قتله الأجر العظيم، ليس على أنّ الذي يقتله كالذي يقتل الأسد و الذّئاب، إذا خافها على المسلمين.
و قالوا في سهيل، و في الزّهرة، و في هاروت و ماروت، و في قيرى و عيرى أبوي ذي القرنين، و جرهم، ما قالوا.
فأمّا القول في نفس المسخ فإنّ النّاس اختلفوا في ذلك: فأمّا الدّهريّة فهم في ذلك صنفان: فمنهم من جحد المسخ و أقرّ بالخسف و الرّيح و الطّوفان، و جعل الخسف كالزّلازل، و زعم أنّه يقرّ من القذف بما كان من البرد الكبار؛ فأمّا الحجارة فإنّها لا تجيء من جهة السّماء. و قال: لست أجوّز إلاّ ما اجتمعت عليه الأمّة أنّه قد يحدث في العالم. فأنكر المسخ البتّة.
١٠٠٠-[أثر البيئة]
و قال الصّنف الآخر: لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم و تفسد تربتهم، فيعمل ذلك في طباعهم على الأيّام، كما عمل ذلك في طباع الزّنج، و طباع الصّقالبة، و طباع بلاد يأجوج و مأجوج.
و قد رأينا العرب و كانوا أعرابا حين نزلوا خراسان، كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني، و ترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل و الدّوابّ و جميع ماشيتهم: من سبع و بهيمة، على طبائعهم. و ترى جراد البقول و الرّياحين و ديدانها خضراء، و تراها في غير الخضرة على غير ذلك[١]. و ترى القملة في رأس الشابّ الأسود الشّعر سوداء، و تراها في رأس الشّيخ الأبيض الشّعر بيضاء، و تراها في رأس الأشمط شمطاء، و في [١]رسائل الجاحظ ١/٢٢٠.