الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤١٥ - ١١٦٧- علة قتل السم
الحديث-فنهض نحو الصّوت، فإذا هو بعقرب فتعاورها هو و المثني بنعالهما حتى قتلاها، ثمّ دعوا بماء فصبّاه في القمقم في عشيّتهما، و هو صحيح لا يسيل منه شيء.
فمن تعجّب من ذلك فليصرف بديّا تعجّبه إلى الشيء الذي تقذفه بذنبها العقرب في بدن الإنسان و الحمير و البغال، فليفكّر في مقدار ذلك من القلة و الكثرة.
فقد زعم لي ناس من أهل العسكر أنّهم وزنوا جرّارة[١]بعد أن ألسعوها فوجدوا وزنها على تحقيق الوزن على مقدار واحد، فإن كان الشيء المقذوف من شكل الشيء الحارّ، فلم قصّرت النّار عن مبلغ عمله؟!و إن كان من شكل الشيء البارد فلم قصّر الثلج عن مبلغ عمله؟!فقد وجب الآن أنّ السمّ ليس يقتل بالحرارة، و لا بالبرودة إذا كان باردا. و لو وجدنا فيما أردنا شيئا بلغ مبلغ الثّلج و النار لذكرناه.
فقد دلّ ما ذكرنا على أنّ جوف النّعامة ليس يذيب الصّخر الأملس بالحرارة، و لكنّه لا بدّ على كلّ حال من مقدار من الحرارة، مع خاصيّات أخر، ليست بذات أسماء، و لا تعرف إلاّ بالوهم في الجملة.
١١٦٧-[علة قتل السم]
و السمّ يقتل بالكمّ و الكيف و الجنس، و الكمّ المقدار، و الكيف: الحدّ.
و الجنس: عين الجوهر و ذاته.
و تزعم الهند أنّ السمّ إنما يقتل بالغرابة، و أنّ كلّ شيء غريب خالط جوف حيوان قتله. و قد أبى ذلك ناس فقالوا: و ما باله يكون غريبا إذا لاقى العصب و اللّحم، و ربّما كان عاملا فيهما جميعا. بل ليس يقتل إلاّ بالجنس، و ليس تحسّ النّفس إلاّ بالجنس، و لو كان الذي يميت حسّهما إنّما يميته لأنّه غريب. جاز أيضا أن يكون الحسّاس إنما حسّ لأنه غريب، و لو كان هذا جائزا لقيل في كلّ شيء.
و قال ابن الجهم: لو لا أنّ الذهب المائع، و الفضّة المائعة، يجمدان إذا صارا في جوف الإنسان. و إذا جمدا لم يجاوزا مكانهما-لكانا من القواتل بالغرابة.
و هذا القول دعوى في النّفس، و النّفس تضيق جدّا. و ما قرأت للقدماء في النفس الأجلاد الكثيرة. و إنما يستدلّ ببقاء تلك الكتب على وجه الدّهر إلى يومنا هذا، و نسخ الرّجال لها أمّة بعد أمّة، و عمرا بعد عمر، على جهل أكثر النّاس بالكلام. و المتكلمون يريدون أن يعلموا كلّ شيء، و يأبى اللّه ذلك. فهذا باب من أعاجيب الظليم.
[١]الجرارة: العقارب صغيرة تجر أذنابها.