الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٤٨ - ١٠٩٢- الثقة بالعلماء
و كأنّ ملقاه بكلّ تنوفة # ملقاك كفّة منخل مأطور[١]
و كأنّ شدقيه إذا استعرضته # شدقا عجوز مضمضت لطهور
فقد زعمت[٢]كما ترى أنها تدير عينا، و زعم الأوّل أنها قائمة العين[٣]. إلاّ أن تزعم أنها لم ترد بالإدارة أن مقلتها تزول عن موضعها، و لكنّها أرادت أنّها جوّالة في إدراك الأشخاص، البعيدة و القريبة، و المتيامنة و المتياسرة و قد يجوز أن يكون إنّما جعلها سميعة لدقّة الحسّ، و كثرة الاكتراث و جودة الشمّ، لا جودة السّمع؛ فإنّ الذين زعموا أنّ النّعامة صمّاء زعموا أنّها تدرك من جهة الشمّ و العين، جميع الأمور التي كانت تعرفها من قبل السّمع لو كانت سميعة. و قد قال الشاعر في صفة الحيّة[٤]: [من البسيط]
تهوي إلى الصّوت و الظلماء عاكفة # تعرّد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا[٥]
هذا بعد أن قال:
إني و ما تبتغي منّي كملتمس # صيدا و ما نال منه الرّيّ و الشّبعا
أهوى إلى باب جحر في مقدّمه # مثل العسيب ترى في رأسه نزعا
اللّون أربد و الأنياب شابكة # عصل ترى السمّ يجري بينها قطعا[٦]
أصم ما شمّ من خضراء أيبسها # أو شمّ من حجر أوهاه فانصدعا
فقد جعل لها أنيابا عصلا، و وصفها بغاية الخبث، و زعم أنها تسمع. فهؤلاء ثلاثة شعراء.
١٠٩٢-[الثقة بالعلماء]
فإن قلت: إنّ المولّد لا يؤمن عليه الخطأ، إذ كان دخيلا في ذلك الأمر، و ليس كالأعرابيّ الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، و بمعرفته غذي.
[١]التنوفة: الأرض المتباعدة الأطراف. (القاموس: تنف) . كفة النخل: إطاره. (القاموس: كفف) .
[٢]يقصد الشاعرة قائلة الأبيات.
[٣]أي الراعي النميري في البيت الذي تقدم قبل قليل.
[٤]الأبيات للزماني في يحيى بن أبي حفصة و هي في الوحشيات ٨٦، و سيذكرها الجاحظ مرة أخرى.
انظر الفقرة (١١٥٠) . ص: ٣٩٨.
[٥]عرد فلان: ترك الطريق. (القاموس: عرد) . الحيد: ما شخص من الجبل. (القاموس: حيد) .
[٦]عصل: جمع أعصل، و هو الأعوج. (القاموس: عصل) .