الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤١٦ - ١١٦٨- شبه النعامة بالبعير و بالطائر
باب آخر و هو عندي أعجب من الأول
و هو ابتلاعه الجمر حتى ينفذ إلى جوفه، فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، و لا يكون الجمر هو العامل في إحراقه.
و أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام-و كنّا لا نرتاب بحديثه إذا حكى عن سماع أو عيان-أنّه شهد محمد بن عبد اللّه-يلقي الحجر في النّار، فإذا عاد كالجمر قذف به قدّامه، فإذا هو يبتلعه كما يبتلع الجمر. كنت قلت له: إنّ الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقي الرّطوبات، و متى أطبق عيه شيء يحول بينه و بين النّسيم خمد، و الحجر أشدّ إمساكا لما يتداخله من الحرارة، و أثقل ثقلا، و ألزق لزوقا و أبطأ انطفاء، فلو أحميت الحجارة!فأحماها ثم قذف بها إليه، فابتلع الأولى فارتبت به، فلما ثنى و ثلّث اشتدّ تعجبي له، فقلت له: لو أحميت أواقيّ الحديد، ما كان منها ربع رطل و نصف رطل!ففعل، فابتلعه، فقلت: هذا أعجب من الأوّل و الثّاني، و قد بقيت علينا واحدة، و هو أن ننظر: أ يستمري الحديد كما يستمري الحجارة؟و لم يتركنا بعض السفهاء و أصحاب الخرق[١]أن نتعرّف ذلك على الأيّام.
و كنت عزمت على ذبحه و تفتيش جوفه و قانصته، فلعلّ الحديد يكون قد بقي هناك لا ذائبا و لا خارجا فعمد بعض ندمائه إلى سكّين فأحمي، ثم ألقاه إليه فابتلعه، فلم يجاوز أعلى حلقه حتى طلع طرف السّكين من موضع مذبحه، ثمّ خرّ ميّتا. فمنعنا بخرقه من استقصاء ما أردنا.
١١٦٨-[شبه النعامة بالبعير و بالطائر]
و في النّعامة أنّها لا طائر و لا بعير، و فيها من جهة المنسم و الوظيف[٢] و الخرمة[٣]، و الشقّ الذي في أنفه، ما للبعير. و فيها من الرّيش و الجناحين و الذّنب و المنقار، ما للطائر. و ما كان فيها من شكل الطّائر أخرجها و نقلها إلى البيض، و ما كان فيها من شكل البعير لم يخرجها و لم ينقلها إلى الولد. و سماها أهل [١]الخرق: العمق.
[٢]الوظيف: مستدق الذراع و الرجل من الإبل.
[٣]الخرمة: موضع الخرم من الأنف.