الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٥١ - ١٠٩٤- قول الشعراء و المتكلمين في رقى الحيات
يقول: لو أنّها أخرجت حين استحلفت بالله لما خرجت، إذ ليس بينهما قربى و لا رحم. ثمّ ذكر الحمّة و النّاب.
و قال آخرون: إنما الحيّة مثل الضبّ و الضّبع، إذا سمع بالله و الهدم و الصّوت خرج ينظر. و الحوّاء[١]إذا دنا من الجحر رفع صوته و صفّق بيديه، و أكثر من ذلك، حتى يخرج الحيّة، كما يخرج الضب و الضّبع.
و قال كثيّر[٢]: [من الطويل]
و سوداء مطراق إليّ من الصّفا # أنيّ إذا الحاوي دنا فصدا لها[٣]
و التّصدية. التّصفيق، قال اللّه تعالى: وَ مََا كََانَ صَلاََتُهُمْ عِنْدَ اَلْبَيْتِ إِلاََّ مُكََاءً وَ تَصْدِيَةً [٤]الآية. فالمكاء: صوت بين النّفخ و الصّفير، و التّصدية: تصفيق اليد باليد.
فكان الحوّاء يحتال بذلك للحيّة، و يوهم من حضر أنّه بالرّقية أخرجها، و هو في ذلك يتكلم و يعرّض، إلاّ أنّ ذلك صوت رفيع. و هو لو رفع صوته ببيت شعر أو بخرافة، لكان ذلك و الذي يظهر من العزيمة عند الحيّة سواء. و إنّما ينكر الصّوت، كما ينكره الضّبّ و غير ذلك من الوحش.
ثم قال[٥]: [من الطويل]
كففت يدا عنها و أرضيت سمعها # من القول حتّى صدّقت ما وعى لها
و أشعرتها نفثا بليغا، فلو ترى # و قد جعلت أن ترعني النّفث بالها
تسلّلتها من حيث أدركها الرّقى # إلى الكفّ لما سالمت، و انسلالها
فقال كما ترى:
كففت يدا عنها و أرضيت سمعها
(البيت) ثم قال:
و أشعرتها نفثا بليغا فلو ترى
[١]الحواء: الذي يجمع الأفاعي. (القاموس: حوي) .
[٢]ديوان كثير ٨٥، و المعاني الكبير ٦٧٠.
[٣]الصفا: جمع صفاة، و هي الصخرة الملساء.
[٤]٣٥/الأنفال: ٨.
[٥]ديوان كثير ٨٦.