الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٦٧ - ١٢٢٤- نفار النعامة و غيرها
و ربداء يكفيها الشّميم و ما لها # سوى الرّبد من أنس بتلك المجاهل
يخبر أنّ النّعامة لا تستأنس بشيء من الوحش، و أنّ الشّمّ يغنيها في فهم ما تحتاج إليه.
و هي مع ذلك إذا صارت إلى دور النّاس، فليس معها من الوحشة منهم، على قدر ما يذكرون.
و في الوحش ما يأنس، و فيها ما لا يأنس. و قال كثيّر[١]: [من الطويل]
فأقسمت لا أنساك ما عشت ليلة # و إن شحطت دار و شطّ مزارها
و ما استنّ رقراق السّراب و ما جرت # ببيض الرّبا أنسيّها و نوارها[٢]
و وصف بلادا قفارا غير مأنوسة فقال[٣]: [من الخفيف]
ما ترى العين حولها من أنيس # قربها غير رابدات الرّئال[٤]
خصّها بالذّكر؛ لأنها أنفر و أشرد، و أقلّ أنسا من جميع الوحش.
و قال الأحيمر[٥]: كنت آتي الظّبي حتى آخذ بذارعيه؛ و ما كان شيء من بهائم الوحش ينكرني إلاّ النّعام. و أنشد قول ذي الرّمّة[٦]: [من الطويل]
و كلّ أحمّ المقلتين كأنّه # أخو الإنس من طول الخلاء المغفّل[٧]
[١]ديوان كثير ٤٣٠-٤٣١.
[٢]استن: اضطرب. النور: النافر الذي لا يستأنس من الحيوان.
[٣]ديوان كثير ٣٩٨.
[٤]رابدات: مقيمات. الرئال: فراخ النعام.
[٥]هو الأحيمر السعدي، و تمام الخبر في عيون الأخبار ٢/٨٨: «كنت حين خلعني قومي و أطلّ السلطان دمي، و هربت و ترددت في البوادي، ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريب منها، و ذلك أني كنت أرى النوى في رجع الذئاب، و كنت أغشى الظباء و غيرها من بهائم الوحش، فلا تنفر مني، لأنها لم تر أحدا قبلي، و كنت أمشي إلى الظبي السمين فآخذه، و على ذلك رأيت جميع تلك الوحوش إلا النعام، فإنه لم أره إلا نافرا فزعا» .
[٦]ديوان ذي الرمة ١٤٦٢، و عيون الأخبار ٢/٨٨، و المعاني الكبير ٧٥٤، و جمهرة الأمثال ٢/٣١٧، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/٣٤٣.
[٧]في ديوانه «يريد: و كل ثور أسود العينين كأنه أخو الإنس لا ينحاش من الناس، لا يفزع منهم لأنه لا يعرفهم» و المغفل: الذي لا علامة فيه و لا أثر.