الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٩٤ - ١٢٤٧- نار الحلف
و يقولون في الحلف: الدّم الدّم، و الهدم الهدم[١]، يحرّكون الدّال في هذا الموضع؛ لا يزيده طلوع الشمس إلا شدّا، و طول اللّيالي إلاّ مدّا، ما بلّ البحر صوفة[٢]، و ما أقام رضوى في مكانه، (إن كان جبلهم رضوى[٣]) .
و كلّ قوم يذكرون جبلهم، و المشهور من جبالهم.
و ربّما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم.
و يهوّلون على من يخاف عليه الغدر، بحقوقها و منافعها، و التّخويف من حرمان منفعتها. و قال الكميت[٤]: [من المتقارب]
كهولة ما أوقد المحلفو # ن للحالفين و ما هوّلوا
و أصل الحلف و التّحالف، إنما هو من الحلف و الأيمان. و لقد تحالفت قبائل من قبائل مرّة بن عوف، فتحالفوا عند نار فدنوا منها، و عشوا[٥]بها، حتّى محشتهم. فسمّوا: المحاش[٦].
و كان سيدهم و المطاع فيهم، أبو ضمرة يزيد بن سنان بن أبي حارثة. و لذلك يقول النّابغة[٧]: [من الكامل]
جمّع محاشك يا يزيد فإنّني # جمّعت يربوعا لكم و تميما[٨]
[١]مجمع الأمثال ١/٢٦٥، و هو من حديث بيعة العقبة في النهاية ٥/٢٥١ و فيه: «الهدم؛ بالتحريك: القبر. يعنى إني أقبر حيث تقبرون. و قيل: هو المنزل، أي منزلكم منزلي. و الهدم بالسكون و بالفتح أيضا: هو إهدار دم القتيل: يقال: دماؤهم بينهم هدم: أي مهدرة. و المعنى: إن طلب دمكم فقد طلب دمي، و إن أهدر دمكم فقد أهدر دمي؛ لاستحكام الألفة بيننا» .
[٢]مجمع الأمثال ٢/٢٣٠، و المستقصى ٢/٢٤٦، الصوفة: واحدة الصوف، و صوف البحر: شيء على شكل هذا الصوف الحيواني.
[٣]رضوى: جبل بالمدينة.
[٤]ديوان الكميت ٢/١٤، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (هول) ، و التهذيب ٦/٤١٥، و البيان ٣/٨، و الخزانة ٣/١٤ (بولاق) .
[٥]عشي بالنار، كرضي و دعا، ساء بصره.
[٦]محشته النار: أحرقته. و انظر الحاشية بعد التالية.
[٧]ديوان النابغة الذبياني ١٠٢، و الرواية فيه «أعددت يربوعا» ، و البيت الأول في اللسان و التاج (حوش، محش، حشا) ، و التهذيب ٤/١٩٦، ٥/١٤١، و العين ٣/٢٦١، و المقاييس ٢/٦٥، ٥/٢٩٩، و المجمل ٢/٦٨، ٤/٣١١، و بلا نسبة في الجمهرة ٥٣٩.
[٨]في ديوانه: «كان يزيد بن سنان بن أبي حارثة يمحش المحاش، و هم بنو خصيلة بن مرة، و بنو نشبة بن غيظ بن مرة على بني يربوع بن غيظ بن مرة رهط النابغة، فتحالفوا على بني يربوع على النار، فسموا المحاش، لتحالفهم على النار. قال الأصمعي: المحاش أربعة أحياء من فزارة