الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٦٢ - ٩٤٥- خصائص النملة
الجزء الرابع
<بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه و سلّم> نبدأ في هذا الجزء، بعون الله و تأييده، بالقول في جملة الذّرّة و النملة، كما شرطنا به آخر المصحف الثّالث. و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.
باب في الذّرّة و النملة
٩٤٥-[خصائص النملة]
قد علمنا أنّ ليس عند الذّرّة غناء الفرس في الحرب، و الدّفع عن الحريم. و لكنّا إذا أردنا موضع العجب و التّعجيب، و التّنبيه على التدبير، ذكرنا الخسيس القليل، و السّخيف المهين، فأريناك ما عنده من الحسّ اللطيف، و التّقدير الغريب، و من النظر في العواقب، و مشاكلة الإنسان و مزاحمته.
و الإنسان هو الذي سخّر له هذا الفلك بما يشتمل عليه.
و قد[١]علمنا أنّ الذّرّة تدّخر للشتاء في الصّيف، و تتقدّم في حال المهلة، و لا تضيع أوقات إمكان الحزم. ثم يبلغ من تفقّدها و حسن خبرها[٢]، و النظر في عواقب أمرها، أنّها تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشّتاء في الصيف، أن تعفن و تسوّس، [فتنقلها من][٣]بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها، لتيبّسها و تعيد إليها جفوفها، و ليضربها النّسيم، و ينفى عنها اللّخن و الفساد.
ثمّ ربّما كان-بل يكون أكثر-مكانها نديّا[٤]. و خافت أن تنبت نقرت موضع القطمير من وسط الحبّة، و تعلم أنّها من ذلك الموضع تبتدئ و تنبت و تنقلب[٥]، فهي تفلق الحبّ كلّه أنصافا. فأمّا إذا كان الحب من حبّ الكزبرة، فلقته أرباعا، لأنّ [١]الخبر في ثمار القلوب (٦٤٣) .
[٢]في ثمار القلوب: «ثم تبلغ من نقدها؛ و صحة تمييزها» .
[٣]في الأصل: «و يقبلها» ؛ و التصحيح من ثمار القلوب.
[٤]في الثمار: «ثم ربما-بل في أكثر الأوقات-اختارت ذلك ليلا، لأنه أخفى، و في القمر لأنها فيه أبصر، فإن كان مكانها نديّا» .
[٥]في الثمار: «تنبت و تصلب» .