الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤١٤ - ١١٦٦- القول في الخاصّيّات و المقابلات و الغرائز
و زعم لي أبو عتّاب الجرّار، أنّه سمع الأكرة يخبرون أنّهم وجدوه قد خرق فلسا بصريّا[١].
و ليس ذلك لشدّة الغمز و حدّة الرأس، و لكنه يكون على قدر ملاقاة الطباع.
و يزعمون أنّ الصّاعقة تسقط في حانوت الصّيقل[٢]فتذيب السّيوف بطبعها، و تدع الأغماد على شبيه بحالها، و تسقط على الرّجل و معه الدراهم فتسبك الدّراهم، و لا يصيب الرجل أكثر من الموت.
و البحريّون عندنا بالبصرة و الأبلّة التي تكون فيها الصّواعق. لا يدعون في صحون دورهم و أعالي سطوحهم، شيئا من الصّفر إلاّ رفعوه؛ لأنّها عندهم تنقضّ من أصل مخارجها، على مقدار من محاذاة الأرض، و مقابلة المكان. فإذا كان الصّفر لها ضاحيا، عدلت إليه عن سننها[٣].
و ما أنكر ما قالوا. و قد رأيتهم يستعملون ذلك.
و قد يسقط النّوى في تراب المتوضّإ، فإذا صهرج[٤]نبت، فإذا انتهى إلى الصّاروج أمسك. و إن كان الصّاروج رقيقا فإن قيّر، و جعل غلظه بقدر طول الإبهام، نبت ذلك النّوى حتّى يخرق ذلك القار.
و لو رام رجل خرقه بمسمار أو سكّة، لما بلغ إرادته حتى يشقّ على نفسه.
و الذي سخّر هذه الأمور القويّة في مذهب الرّأي و إحساس النّاس، هو الذي سخّر القمقم، و الطّيجن[٥]، و المرجل، و الطّست[٦]، لإبرة العقرب. فما أحصي عدد من أخبرني من الحوّائين، من أهل التّجارب، أنّها ربّما خرجت من جحرها في اللّيل لطلب الطّعم. و لها نشاط و عرام، فتضرب كلّ ما لقيت و لقيها: من حيوان، أو نبات، أو جماد.
و زعم لي خاقان بن صبيح-و استشهد المثنّى بن بشر، و ما كان يحتاج خبره إلى شاهد؛ لصدقه-أنّه سمع في داره نقرة وقعت على قمقم-و قد كان سمع بهذا [١]الفلس: من أجزاء الدرهم.
[٢]الصيقل: من يصقل السيوف، أي يشحذها و يجلوها.
[٣]السنن: الطريق.
[٤]صهرج المتوضأ: عمل بالصاروج، و هو النورة أو أخلاطها.
[٥]الطيجن: المقلى الذي يقلى فيه.
[٦]الطست: الطشت.