الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩٧ - ١٠٠١- القول في تحريم الخنزير
فأما أبو بكر الأصمّ، و هشام بن الحكم، فإنّهما كانا يقولان بالقلب، و يقولان:
إنّه إذا جاز أن يقلب اللّه خردلة من غير أن يزيد فيها جسما و طولا أو عرضا جاز أن يقلب ابن آدم قردا من غير أن ينقص من جسمه طولا أو عرضا.
و أمّا أبو إسحاق فقد كان-لو لا ما صحّ عنده من قول الأنبياء و إجماع المسلمين على أنّه قد كان، و أنّه قد كان حجّة و برهانا في وقته-لكان لا ينكر مذهبهم في هذا الموضع.
و قوله هذا قول جميع من قال بالطّبائع، و لم يذهب مذهب جهم، و حفص الفرد.
و قال ابن العنسيّ يذكر القرد: [من الطويل]
فهلاّ غداة الرّمل يا قرد حذيم # تؤامرها في نفسها تستشيرها
١٠٠١-[القول في تحريم الخنزير]
قال: و سأل سائلون في تحريم الخنزير عن مسألة؛ فمنهم من أراد الطّعن، و منهم من أراد الاستفهام، و منهم من أحبّ أن يعرف ذلك من جهة الفتيا؛ إذ كان قوله خلاف قولنا.
قالوا: إنّما قال اللّه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ [١]، فذكر اللّحم دون الشّحم، و دون الرّأس، و دون المخّ، و دون العصب، و دون سائر أجزائه؛ و لم يذكره كما ذكر الميتة بأسرها، و كذلك الدّم؛ لأنّ القول وقع على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بلفظ واحد، و هو العموم. و ليس ذلك في الخنزير؛ لأنّه ذكر اللّحم من بين جميع أجزائه و ليس بين ذكر اللّحم و العظم فرق، و لا بين اللّحم و الشّحم فرق. و قد كان ينبغي في قياسكم هذا لو قال: حرّمت عليكم الميتة و الدّم و شحم الخنزير، أن تحرّموا الشحم، و إنّما ذكر اللّحم، فلم حرّمتم الشحم؛ و ما بالكم؛ تحرّمون الشّحم عند ذكر غير الشّحم!فهلاّ حرّمتم اللّحم بالكتاب، و حرّمتم ما سواه بالخبر الذي لا يدفع!؟فإن بقيت خصلة أو خصلتان ممّا لم تصيبوا ذكره في كتاب منزّل، و في أثر لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل.
قلنا: إنّ النّاس عادات، و كلاما يعرّف كل شيء بموضعه، و إنما ذلك على قدر استعمالهم له، و انتفاعهم به.
و قد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدّينار لحما، أو بهذه الدراهم، فيأتيه باللّحم فيه الشّحم و العظم، و العرق و العصب و الغضروف. و الفؤاد و الطّحال، و الرّئة، [١]٣/المائدة: ٥.