الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩٨ - ١٠٠١- القول في تحريم الخنزير
و ببعض أسقاط الشاة و حشو البطن. و الرأس لحم، و السّمك أيضا لحم. و قال اللّه تعالى: هُوَ اَلَّذِي سَخَّرَ اَلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا [١]. فإن كان الرّسول ذهب إلى المستعمل من ذلك، و ترك بعض ما يقع عليه اسم لحم، فقد أخذ بما عليه صاحبه. فإذا قال حرّمت عليكم لحما، فكأنّه قال: لحم الشّاة و البقرة و الجزور. و لو أنّ رجلا قال: أكلت لحما-و إنما أكل رأسا أو كبدا أو سمكا-لم يكن كاذبا. و للنّاس أن يضعوا كلامهم حيث أحبّوا، إذا كان لهم مجاز؛ إلاّ في المعاملات.
فإن قلت: فما تقول في الجلد؟فليس للخنزير جلد، كما أنّه ليس للإنسان جلد إلاّ بقطع ما ظهر لك منه بما تحته، و إنّما الجلد ما يسلخ و يدحس[٢]فيتبرأ ممّا كان به ملتزقا و لم يكن ملتحما، كفرق ما بين جلد الحوصلة و العرقين.
فإن سألت عن الشّعر، و عن جلد المنخنقة و الموقوذة و المتردّية و النّطيحة و ما أكل السّبع، فإنّي أزعم أنّ جلده لا يدبغ و لا ينتفع به إلاّ الأساكفة، و القول في ذلك أنّ كلّه محرّم. و إنما ذلك كقوله تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [٣]و كقوله عزّ و جلّ: وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً `إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [٤].
و العرب تقول للرّجل الصانع نجّارا، إن كان لا يعمل بالمثقب و المنشار و نحوه و لا يضرب بالمضلع و نحو ذلك، و تسمّيه خبّازا إذا كان يطبخ و يعجن. و تسمّي العير لطيمة، و إن لم يكن فيها ما يحمل العطر إلاّ واحد. و تقول: هذه ظعن فلان؛ للهوادج إذا كانت فيها امرأة واحدة. و يقال: هؤلاء بنو فلان؛ و إن كانت نساؤهم أكثر من الرجال.
فلما كان اللحم هو العمود الذي إليه يقصد، و صار في أعظم الأجزاء قدرا، دخل سائر تلك الأجزاء في اسمه. و لو كان الشّحم معتزلا من اللّحم و مفردا في جميع الشّحام، كشحوم الكلى و الثّروب، لم يجز ذلك. و إذا تكلمت على المفردات لم يكن المخّ لحما، لا الدّماغ، و لا العظم، و لا الشّحم، و لا الغضروف، و لا الكروش، و لا ما أشبه ذلك. فلما قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ [٥]و كانت [١]١٤/النحل: ١٦.
[٢]دحس الرجل الشاة: أدخل يده بين جلدها و صفاقها للسلخ.
[٣]١٦/الأنفال: ٨.
[٤]٢٣/الكهف: ١٨.
[٥]٣/المائدة: ٥.