الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٤٣ - ١١٩٥- مسيلمة الكذاب
أتوني و لم أرض ما بيّتوا # و قد طرقوني بأمر نكر
لأنكح أيّمهم منذرا # و هل ينكح العبد حرّ لحر
ثمّ مع ذلك خطب إليه كسرى بعض بناته فرغب بها عنه، حتّى كان ذلك سبب هربه و علّة لقتله-فهل رأيت شاعرا في ذلك الزّمان مع كثرة الشعراء فيه، و مع افتخارهم بالذي كان منهم في يوم جلولى[١]و يوم ذي قار، و في وقائع المثنّى بن حارثة و سعد بن أبي وقّاص-فهل سمعت في ذلك بشعر صحيح طريف المخرج، كما سمعته في جميع مفاخرهم ممّا لا يداني هذا المفخر؟! و لقد خطب بعض إخوته إلى رجال من نزار، من غير أهل البيوتات، فرغبوا عنهم.
و أمّ النعمان سلمى بنت الصّائغ[٢]: يهوديّ من أنباط الشام، ثمّ كان نجله لفعل غير محمود.
و قد قال جبلة بن الأيهم، لحسّان بن ثابت: قد دخلت عليّ و رأيتني، فأين أنا من النّعمان؟قال: و اللّه[٣].......
فالنّعمان مع هذه المثالب كلّها قد رغب بنفسه عن مصاهرة كسرى، و هو من أنبه الأكاسرة. و كما كان أبرويز أعظم خطرا، كانت أنفته أفخر للعرب، و أدلّ على ما يدّعون من العلوّ في النسب و كان الأمر مشهودا ظاهرا، و مردّدا على الأسماع مستفيضا. فإذ قد تهيّأ أن يكون مثل هذا الأمر الجليل، و المفخر العظيم، و العرب أفخر الأمم، و مع ذلك قد أغفلوه-فشأن مسيلمة أحقّ بأن يجوز ذلك عليه.
[١]جلولاء: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، بينها و بين خانقين سبعة فراسخ، و بها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة ١٦. «معجم البلدان ٢/١٥٦» . و انظر أيام العرب ٢٩٠-٢٩١.
[٢]في البيان ٣/٢٤٦: «سلمى بنت عقاب» ، و في الأغاني ١١/١٣: «سلمى بنت عطية» .
[٣]ثمة نقص يمكن استدراكه من الأغاني ١٥/١٦١ «لقفاك خير من وجهه، و لشمالك خير من يمينه، و لأخمصك خير من رأسه، و لخطؤك خير من صوابه، و لصمتك خير من كلامه، و لأمك خير من أبيه، و لخدمك خير من قومه» ، و في الأغاني ورد أن صاحب الحديث هو عمرو بن الحارث الأعرج، و ليس جبلة، و أن القول الذي استدركته ينسب إلى حسان و إلى النابغة.