الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٤٢ - ١١٩٥- مسيلمة الكذاب
قال: فبات القوم يتوقّعون نزول الملك، و يلاحظون السّماء، و أبطأ عنهم حتّى قام جلّ أهل اليمامة؛ و أطنبت الرّيح[١]و قويت، فأرسلها، و هم لا يرون الخيوط، و اللّيل لا يبين عن صورة الرّقّ، و عن دقّة الكاغد. و قد توهّموا قبل ذلك الملائكة.
فلمّا سمعوا ذلك و رأوه تصارخوا و صاح: من صرف بصره و دخل بيته فهو آمن! فأصبح القوم و قد أطبقوا على نصرته و الدّفع عنه. فهو قوله[٢]: [من الطويل]
ببيضة قارور و راية شادن # و توصيل مقصوص من الطير جادف
فقلت لسهم: يكون مثل هذا الأمر العجيب، فلا يقول فيه شاعر، و لا يشيع به خبر؟!قال: أ و كلما كان في الأرض عجب، أو شيء غريب، فقد وجب أن يشيع ذكره، و يقال فيه الشّعر، و يجعل زمانه تاريخا!ألسنا معشر العرب نزعم أنّ كسرى أبرويز، و هو من أحرار فارس، من الملوك الأعاظم، و سليل ملوك، و أبو ملوك، مع حزمه و رأيه و كماله، خطب إلى النّعمان بن المنذر، و إلى رجل يرضى أن تكون امرأته ظئرا لبعض ولد كسرى، و هو عامله، و يسمّيه كسرى عبدا، و هو مع ذلك أحيمر أقيشر، إمّا من أشلاء قصيّ بن معد، و إما من عرض لخم. و هو الذي قالوا: تزوّج مومسة- و هي الفاجرة؛ و لا يقال لها مومسة إلاّ و هي بذلك مشهورة-و عرفها بذلك، و أقام عليها، و هجي بها و لم يحفل بهجائهم. و ممّا زاد في شهرتها قصّة المرقش. و ناكها قرّة بن هبيرة حين سباها. فعلم بذلك و أقام عليها، ثمّ لم يرض حتّى قال لها: هل مسّك؟قالت: و أنت و اللّه لو قدر عليك لمسّك!فلم يرض بها حتى قال لها: صفيه لي. فوصفته حتّى قالت: كأنّ شعر خدّيه حلق الدّرع!و بال على رأسه خلف ابن نوالة الكناني عام حجّ، و نصّره عديّ بن بأحمق سبب[٣]. و خطب أخوه المنذر إلى عبيدة بن همام، فردّه أقبح الرّدّ، و قال[٤]: [من المتقارب] [١]أطنبت الريح: اشتدت.
[٢]تقدم البيت في بداية هذه الفقرة.
[٣]نصّره: أدخله في النصرانية، و كان سبب تنصّر النعمان-و كان يعبد الأوثان قبل ذلك-أنه مر على المقابر و معه عدي بن زيد الذي قال له إن هذه المقابر تقول:
كنا كما كنتم فغيّرنا دهر # فسوق كما صرنا تصيرونا
فدخلته رقة، و خرجا مرة أخرى، و مرّا على المقابر فأنشده عدي أبياتا أخرى فرجع النعمان و تنصر، انظر تفصيل الخبر في الأغاني ٢/١٣٤-١٣٥.
[٤]البيتان للأسود بن يعفر في ديوانه ٦٧، و اللسان و التاج (نكر) ، و الأول في التنبيه و الإيضاح ٢/٢١٨، و البيتان بلا نسبة في الكامل ٩٢٠، ١٠٧٧ (الدالي) ، و الأول في المخصص ١٧/١٢، و ديوان الأدب ١/٢٦١، ٣/٤٣٥، و العين ٨/١٣٧.