الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٩٤ - ١١٤٩- أقسام الحيوان من حيث تحركه
الحيّات. و من جعل للحيّات مشيا من الشعراء، أكثر من أن نقف عليهم. و لو كانوا لا يسمّون انسيابها و انسياحها مشيا و سعيا، لكان ذلك مما يجوز على التشبيه و البدل، و أن قام الشيء مقام الشيء أو مقام صاحبه؛ فمن عادة العرب أن تشبّه به في حالات كثيرة. و قال اللّه تعالى: هََذََا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ [١]و العذاب لا يكون نزلا، و لكنّه أجراه مجرى كلامهم، كقول حاتم حين أمروه بفصد بعير، و طعنه في سنامه، و قال:
«هذا فصده!» [٢].
و قال الآخر[٣]: [من الرجز]
فقلت يا عمرو اطعمنّي تمرا # فكان تمري كهرة و زبرا[٤]
و ذمّ بعضهم الفأر، و ذكر سوء أثرها في بيته، فقال[٥]: [من الرجز]
يا عجّل الرّحمن بالعقاب # لعامرات البيت بالخراب
يقول: هذا هو عمارتها. كما يقول الرّجل، «ما نرى من خيرك و رفدك إلاّ ما يبلغنا من حطبك علينا، و فتّك في أعضادنا!» [٦].
و قال النّابغة في شبيه بهذا، و ليس به[٧]: [من الطويل]
و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم # بهنّ فلول من قراع الكتائب
-و وجه آخر: أنّ الأعراب تزعم-و كذلك قال ناس من الحوّائين و الرّقائين-إنّ للحيّة حزوزا في بطنه، فإذا مشى قامت حزوزه، و إذا ترك المشي تراجعت إلى مكانها، و عادت تلك المواضع ملسا. و لم توجد بعين و لا لمس، و لا يبلغها إلاّ كلّ حوّاء دقيق الحسّ.
و ليس ذلك بأعجب من شقشقة الجمل العربيّ؛ فإنّه يظهرها كالدّلو، فإذا هو أعادها إلى لهاته تراجع ذلك الجلد إلى موضعه، فلا يقدر أحد عليه بلمس و لا عين.
[١]٥٦/الواقعة: ٥٦.
[٢]في مجمع الأمثال ٢/٣٩٤ (هكذا فصدي) و الفصد: شق العرق لاستخراج دمه.
[٣]الرجز بلا نسبة في المخصص ٢/١٣٤، و البيان ١/١٥٣، و الأضداد ١٧٨.
[٤]الكهرة: الانتهار. الزبر: الزجر.
[٥]الرجز بلا نسبة في ديوان المعاني ٢/١٥١، و البيان ١/١٥٢، و ربيع الأبرار ٥/٤٧٠.
[٦]البيان ١/١٥٢-١٥٣.
[٧]ديوان النابغة الذبياني ٤٤، و الخزانة ٣/٣٢٧، ٣٣١، ٣٣٤، و شرح شواهد المغني ٣٤٩، و معاهد التنصيص ٣/١٠٧، و اللسان (قرع، فلل) .