الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٩٣ - ١١٤٩- أقسام الحيوان من حيث تحركه
دوابّ كثيرة تمشي على ثمان قوائم، و على ستّ، و على أكثر من ثمان. و من تفقّد قوائم السّرطان و بنات وردان، و أصناف العناكب-عرف ذلك.
قلنا: قد أخطأتم في جميع هذا التّأويل و حدّه. فما الدّليل على أنّه وضع كلامه في استقصاء أصناف القوائم؟و بأيّ حجة جزمتم على ذلك؟و قد قال اللّه عزّ و جلّ:
وَقُودُهَا اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ* [١]و ترك ذكر الشّياطين و النّار لهم آكل، و عذابهم بها أشدّ. فترك ذكرهم من غير نسيان، و على أنّ ذلك معلوم عند المخاطب. و قد قال اللّه عزّ و جلّ: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوََاجاً [٢]أخرج من هذا العموم عيسى ابن مريم، و قد قصد في مخرج هذا الكلام إلى جميع ولد آدم. و قال:
هَلْ أَتىََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [٣]أدخل فيها آدم و حوّاء. ثمّ قال على صلة الكلام: إِنََّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشََاجٍ نَبْتَلِيهِ [٤] أخرج منها آدم و حوّاء و عيسى ابن مريم.
و حسن ذلك إذ كان الكلام لم يوضع على جميع ما تعرفه النّفوس من جهة استقصاء اللّفظ. فقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىََ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىََ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلىََ أَرْبَعٍ [٥]كان على هذا المثال الذي ذكرنا. و على أنّ كلّ شيء يمشي على أربع فهو مما يمشي على رجلين، و الذي يمشي على ثمان هو مما يمشي على أربع، و على رجلين و إذا قلت: لي على فلان عشرة آلاف درهم، فقد خبّرت أنّ لك عليه ما بين درهم إلى عشرة آلاف.
و أمّا قولكم: إنّ المشي لا يكون إلاّ بالأرجل، فينبغي أيضا أن تقولوا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعىََ [٦]: إنّ ذلك خطأ؛ لأنّ السّعي لا يكون إلاّ بالأرجل.
و في هذا الذي جهلتموه ضروب من الجواب:
-أمّا وجه منه: فهو قول القائل و قول الشّاعر: «ما هو إلاّ كأنه حيّة» و: «كأنّ مشيته مشية حيّة» يصفون ذلك، و يذكرون عنده مشية الأيم و الحباب، و ذكور [١]٢٤/البقرة: ٢.
[٢]١١/فاطر: ٣٥.
[٣]١/الإنسان: ٧٦.
[٤]٢/الإنسان: ٧٦.
[٥]٤٥/النور: ٢٤.
[٦]٢٠/طه: ٢٠.